فوزي آل سيف

54

من قصة الديانات والرسل

ولما رأى النمرود أن تحدي إبراهيم غير ممكن، وأن بقاءه يفسد عليه وضعه، أمره بالخروج والمغادرة من تلك البلاد! وإبراهيم كسائر الأنبياء مع صلابتهم في تبليغ رسالة ربهم إلا أنهم حكماء في الأساليب ولديهم مرونة في التكتيكات وما عرض عليهم أمرٌ فيه رفق إلا واختاروه، فاستجاب إبراهيم لذلك وخرج مع من آمن به، وكان منهم ابن أخيه لوط الذي سيبعثه فيما بعد نبيا إلى مدينة سدوم وما حولها، وكان ممن خرج معه زوجته سارة المرأة العظيمة في عطائها المالي والتي تشبه في عطائها للرسالة الالهية خديجة بنت خويلد عليها السلام حيث قيل إنها كانت تمتلك الكثير من الأغنام والأبقار وأنها أعطتها كلها لزوجها إبراهيم عليه السلام كما أنها كانت من أجمل النساء. وقد اتجه النبي إبراهيم عليه السلام أولا إلى جهة الشمال واستقر ومن معه في منطقة اسمها حاران وهي أطراف الحدود الجنوبية التركية حاليا ثم نزلوا باتجاه بلاد الشام وتحديدا فلسطين. استقرار لوط في سدوم: في الطريق إلى فلسطين أمر النبي إبراهيم ابن أخيه لوطًا بأن يتجه إلى جهة الأردن بلدة اسمها سدوم بالقرب من البحر الميت (حاليًّا) وتتبعها عدة بلدات وكانت أخلاق أهلها منحرفة حتى عبر القرآن عنها بأنها القرية التي كانت تعمل الخبائث، وهذا يشير إلى انتشار ذلك الانحراف الأخلاقي على صعيد واسع وإلا فإنه لا تخلو بلدة من أشخاص منحرفين، ولكن لا يقال له بلدة الانحراف، إلا إذا كان ذلك الفعل طاغيًا وعامًّا فيها! وقد أشرنا فيما سبق عمّا يستفاد من وجود نبيين في زمان واحد وإن كانا في بلدين مختلفين! كما أشرنا إلى لزوم تلقي الروايات التاريخية من مصادر موثوقة وصادقة، فإننا هنا لو لم نتلق الرواية مثلًا من أهل البيت عليهم السلام، لكان علينا أن نلتزم بما ذكر في التوراة (المحرفة الموجودة) من أن نزاعًا بين النبي إبراهيم والنبي لوط قد حصل على المرعى وأن كلًّا منهما كان يريد المرعى الأفضل لغنمه! فانفصل لوط عن إبراهيم وواصل إبراهيم مشواره لفلسطين بينما بقي لوط هنا في سدوم! وأنت ترى أن مثل هذا لو حصل بين شخصين عاديين مترافقين لبعض الوقت لكان قبيحًا منهما فكيف يتمشى من نبيين كريمين أحدهما إبراهيم وهو من عرفنا شيئا من خصاله في الصفحات الماضية! كيف يمكن تصديق أن انفصالهما عن بعضهما وترك أحدهما الآخر كان على أثر مغاضبة ومعركة على بعض الحشائش ومأكلة الغنم! وقد سبق الحديث في موضوع النبي لوط وقومه وماذا حصل فليراجع. وصول إبراهيم إلى فلسطين: في فلسطين بقي نبي الله إبراهيم ينشر التوحيد ويحارب الشرك والخرافة، وامتد به العمر في ذلك وهو إلى الآن وقد تجاوز عمره الثمانين ولم يرزق بولد! في بيئة كان الولد بالنسبة إليهم ضرورة حياة وليست كمالا وزينة! وها هي زوجته قد تخطت السبعين من العمر وهو سن لا يرجى معه الإنجاب منها. إننا لكي نتصور حجم المعاناة في حياتهما ينبغي أن ننظر إلى عوائلنا وأسرنا وكم تتحمل من نظرات الاتهام والتحقير ومن همس الآخرين بل وكلامهم أنه من هو العاقر منهما؟ ومن هو منهما المريض الذي لا ينجب! ويتعصب للرجل فريق وللمرأة آخر.. ثم انظر إلى حالة إبراهيم