فوزي آل سيف
45
من قصة الديانات والرسل
الأصليّ للدِّين المسمّى الصراط المستقيم كثيرة، وكلّ شخص يستطيع أن يبلغه من الطريق الذي يناسب قابليّته واستعداده.[132] المشتركات بين الأديان السماوية لا تعني التعددية تبين لنا فيما سبق أن التعددية الدينية بمعنى أن بإمكان الإنسان في هذا الزمان أن ينتخب له دينًا من الأديان أو مذهبًا من المذاهب، ويكون معذورًا في ذلك بشكل حقيقي أمام ربه بمعنى أن هذا أيضًا طريق من الطرق الموصلة لله وجنته! وأنه لا مانع من ذلك من الناحية الدينية، فإن كل دين يمتلك جانبًا من الحقيقة، وبالتالي يمكن التمسك بذلك الجانب في هذا الزمان! أو أن كل مذهب في الدين هو كذلك. هذه الفكرة تنتهي إلى عبثية بعث الأنبياء اللاحقين، وإلى ترفيّة إنزال الكتب التالية للكتب السابقة! وتنتهي إلى التعبد بالتضاد أو التناقض! وإلى تخطئة أسلوب القرآن في إدانة من لم يؤمن به وتضليل طريقة النبي في عتاب علماء الأديان الأخرى الذين تخلفوا عن الإيمان برسالته.. وهذا كما ترى ـ عزيزي القارئ ـ لا يمكن القبول به. نعم يوجد بين الأديان السماوية مبادئ مشتركة، سواء على مستوى العقائد الأساسية أو البرامج التفصيلية ـ في الجملة ـ. وهذا طبيعي جدًا. نظراً لان مبدأ هذه الأديان واحد وهو الله سبحانه وتعالى. ولأن استهداف هذه الديانات واحد، من تحقيق عبادة الله سبحانه، والتزام الإنسان ببرامج تحقق له الكمال الأخلاقي والحياتي، في الدنيا والاخرة. والفارق بينها أن بعض هذه الرسالات والنبوات كان محدودة بزمان معين ولها تاريخ صلاحية بحيث لا تعود مطلوبة بعد ذلك التاريخ، بينما بعضها الآخر مستمر ودائم. إن هذه المبادئ لكونها من الله سبحانه فإن أتباعها مخاطبون بتحكيمها في حياتهم كما قال الله "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإنجيل بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ "[133] ويعاتب الله سبحانه أولئك في أنهم يأبون مبادئه ولا يعملون بأحكامه سواء تلك التي جاء بها موسى بن عمران في زمانه أو جاء بها خاتم النبيين في زمانه فيقول)وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) والقول بكون هذه الكتب برنامجا إلهيا لزمان محدد لا يسلبها قيمتها الأصلية وأنها في ذلك الزمان كانت برنامجا لازم الاتباع، وفي الآيات المباركات يؤكد الله سبحانه على وحدة المصدر لهذه الكتب السماوية ووحدة العقائد والتشريعات الأساسية (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإنجيل فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإنجيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).[134] بالطبع هذا لا يعني أنها لم تتعرض للتحريف، وسيأتي ذكر أسباب ذلك ونتائجه. لكن حتى لو لم تتعرض للتحريف كان من غير الممكن بقاء المؤمنين بها على الالتزام بأحكامها. والمثال الذي
--> 132 الری شهری ، الشيخ محمد: موسوعة العقائد الإسلاميّة 3/110 133 المائدة: 47 134 المائدة: 43ـ 47