فوزي آل سيف
40
من قصة الديانات والرسل
ولكي يتبين الفرق سوف نشرح هذا المصطلح شرحًا بسيطًا وقريبًا الى التناول والفهم، وبعيدًا عن البحث التخصصي قدر الإمكان. ماذا تعني (التعددية الدينية)؟ هناك معنيان للتعددية الدينية: الأول: التعددية الدينية؛ بمعنى التعايش بين أتباع الديانات في المجتمع الواحد، وهذا راجع إلى أنّ المجتمعات البشرية اليوم مجتمعات خليطة من حيث أتباع الديانات فيها، فقد تجد في المجتمع الواحد المسلمَ والمسيحيَّ واليهوديَّ والصابئيَّ وغيرهم، وهذا ليس أمرًا فرضيًّا وإنما هو واقعي، وأقرب مثال نجده هو المجتمع في العراق، فإنه يضم هذه الأصناف وغيرها. هذه التعددية تقتضي التعايش بين أتباع الديانات في هذا المجتمع وأمثاله. ولا ينبغي التفكير في أنه من لم يتفق معنا بالكامل فلا نتعامل معه أو نتعايش! وربما يمكن القول بأنه لا يوجد مجتمع بشري في هذه الأزمنة خالص الديانة بمعنى أن كل شعبه يدين بدين واحد ولا يخالطهم فيه أحد! هذه الحقيقة تقتضي الاعتراف الاجتماعي بالتعددية الدينية بهذا المعنى وقبول الآخرين (وليس من الضروري أن يكون معترفا بصحة دينهم أو تأييدهم فيه!). ولعل البعض يستفيد فكرة التعايش الاجتماعي مع أصحاب الديانات المختلفة المتواجدين في مجتمع واحد من قول الله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).[120] وهذا المعنى من التعددية مقبول بل هو ضرورة اجتماعية إذا كان البديل عنه هو التعادي والمواجهة بين أتباع الديانات والعداء بين أصحابها! كما أن هذا النوع من التعددية يمكن أن يشكل مصدر ثراء في المجتمعات. وأما المعنى الثاني: للتعددية الدينية، التعددية في المنحى العقائدي ولعل هذا هو الذي يتم التركيز عليه، بمعنى أنّ كل دين من الأديان مؤدٍّ للحقيقة وهو أحد الطرق الموصلة الى الله عزّ وجل. وأنه لا يوجد دين ـ بما في ذلك الإسلام ـ يمتلك الحقيقة كاملة، وإنما الحقيقة مجزأة فلدى المسلم جزء منها، ولدى المسيحي جزء آخر، وعند اليهودي ثالث وهكذا! وهذا المعنى من الناحية الدينية غير صحيح قطعًا. ولكي تتضح أبعاد الفكرة والمصدر الذي تم استقاؤها منه نقول: أن فكرة التعددية الدينية الموجودة في الثقافة العربية والإسلامية اليوم، قدمت من الحالة الغربية وتعرف بـ (البلوراليسم) وقد قيل إنها فكرة نشأت على أثر الحروب المتتالية في أوربا بين المسيحيين أنفسهم ـ كما سيأتي الحديث عن ذلك مستقبلا ـ ومع تكثر الفرق المسيحية من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وغيرها، كان لا بد من إيجاد فكرة تمنع الاحتراب الديني والمذهبي، وكانت فكرة التعددية الدينية بمعنى أن كل فرقة في الحالة المسيحية. بل بينهم وبين الحالة اليهودية لها نصيب من
--> 120 البقرة: 83