فوزي آل سيف

41

من قصة الديانات والرسل

الحقيقة ولهم العذر في أن يعبدوا الله بالنحو الذي يرونه. وتحولت من موضوع اجتماعي إلى موضوع عقدي.[121] إن أصل الفكرة كان لأجل حل مشكلة اجتماعية، وذلك أن الخلاف بين اتباع العهد القديم من اليهود وبين المسيحيين ليس قليلا في مواضع متعددة، بل الخلاف بين الفرق المسيحية في تفسير العهدين، وقضية التثليث وموقع العذراء مريم وموضوع الخطيئة الأصلية، مما سيأتي الحديث فيه مستقبلا كان واسعًا ومتعدد الجوانب. فكانت هذه الفكرة التي تعني إعطاء العذر لكل فريق من أجل الحفاظ على الانسجام الاجتماعي ومنع الاحتراب أشبه بصمام أمان عن الحروب والمواجهات العنيفة. فكأنّ هذه الفكرة تقول لليهودي: أنت على حق، وتلتفت للمسيحي لتقول له: أنت أيضًا على حق وتأتي في داخل الديانة المسيحية لتقول للكاثوليكي: رأيك موصل لله ويرتبط بالحقيقة، وتقول للبروتستانتي والذي يملك فكرة مخالفة لسابقه لتقول له: وأنت أيضًا تمتلك جزءا من الحقيقة يوصلك لله. وتلتفت للأرثوذكسي المسيحي الذي يخالف سابقيه في طريقته لتقول له وأنت أيضًا! ولكنها بالتدريج انتقلت من المجتمع إلى العقيدة، لتقول إن الحقيقة لا يملكها شخصٌ واحد وإنما هي موزعة، وذات أبعاد فهذا يتصل ببعد منها وذاك ببعد آخر، وهذا يملك جزءا وذاك آخر وهكذا. وبالتالي لا معنى لأن يخطّئ شخص شخصًا آخر أو ينفي دين دينًا آخر أو يبطل مذهب مذهبًا. ربما يستشهد أصحاب هذه الفكرة ببعض الآيات القرآنية في تأييد ما يذهبون إليه، مثل قوله تعالى (لكُم دينُكُم وليَ دين).[122]ويفهمون منها ـ بشكل خاطئ ـ أن لكل شخص الحرية في أن يتخذ الدين الذي يراه مناسبًا وطريقًا إلى ربه! وهكذا مثل قوله تعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإنجيل بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ)[123]ويفهمون منها أن المسيحيين يستطيعون أن يتعبدوا بما جاء في الإنجيل وأن ينظموا عباداتهم ومعاملاتهم على الأسس الموجودة فيه. فلا ملزم لهم لكي يؤمنوا بالقرآن مثلًا أو النظام الإسلامي، وأن هذا يعني أنه كما أن للمسلمين الحق في التعبد بكتابهم فكذلك الحال هو بالنسبة للمسيحيين مع الإنجيل. وربما استشهد بعضهم بما اشتهر على الألسنة من أن (الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق) ولا ينحصر الأمر في طريق واحد! او دين واحد أو مذهب واحد! خطأ فكرة التعددية بالمعنى الثاني: إننا نعتقد أن التعددية بالمعنى الثاني خاطئة ولا يمكن قبولها لأسباب متعددة:

--> 121 للإحاطة بأطراف التعريف وأبعاده ننقل ما جمعه د. محروس بسيوني في دراسته المنشورة في مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية في عددها 12 سنة 1438 هـ بعنوان: التعددية الدينية؛ رؤية نقدية (نسخة الكترونية في موقع https://www.taibahu.edu.sa/.. فقد قال ناقلا عن الشيخ حيدر حب الله: إنها: ضرورة الاعتراف المعرفي وليس الاجتماعي والاخلاقي فقط بكافة الاديان والمذاهب واعطاء المعذورية للمؤمنين بها وبالتالي عدلت من مفهوم النجاة الذي كان يعني في الماضي حصر الخلاص في طائفة دينية واحدة بحيث صار أكثر اتساعًا وشمولًا ليشمل أكثرية أبناء المذاهب والديانات" وفي موضع آخر نقل بعدا آخر من أبعاد التعددية قائلا: " إن الأحكام والتعليمات في هذه الأديان لا تعبر عن كل الحقيقة وإنما لكل دين جزء من الحقيقة وفي كل دين من الأديان الالهية وفي كل مذهب من مذاهب الأديان يجد الإنسان طريقًا إلى الله قد تختلف عن الطريق الآخر ولكنها تلتقي جميعًا في النهاية عند الله".. 122 الكافرون: 6 123 المائدة:47