فوزي آل سيف

135

من قصة الديانات والرسل

بوذا.. هل هو نبي؟ مقدمة: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبراهيم خَلِيلًا)[370] تشير الآية المباركة إلى حاجة الإنسان إلى الدين، وأنه يسعى لتحصيل دين يجيب عن أسئلته المختلفة، ويعطي فلسفة لحياته، ومع الإقرار بهذا تحدد الآية المباركة الدين الأفضل الذي يلبي الحاجة الفطرية الموجودة في نفس البشر. وتُعَّرِف هذا الدين بـ (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله) من يعترف بوجود الله وتكون علاقته بالله عز وجل علاقة إسلام وتسليم وخضوع. مع اقتران هذا الإسلام بالإحسان العملي فلا يكفي الاعتقاد فقط، وإنما لابد أن يرافقه عملٌ وهو الإحسان، ولا بد أن يكون على منهاج النبوة (واتبع ملة إبراهيم حنيفًا). افتتحنا هذه الصفحات بهذه الآية المباركة كي نشير إلى أن بعض الناس في ضمن سعيهم لتلبية الحاجة إلى التدين، سلكوا طرقاً خاطئةً أو ناقصةً، وما ذلك إلا لأنهم يريدون أن يشبعوا هذه الحاجة، غير أنهم لم يهتدوا إلى الدين الأحسن والصراط الأقوم والذي نعتقد أنه ديانة السماء وما جاء به الأنبياء وفي هذا الزمان دين سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله. الديانة البوذية: من ضمن الديانات الموجودة في عالم اليوم والتي هي ليست ذات كتاب سماوي ولا نبي مرسل: الديانة البوذية. البوذية نسبة إلى بوذا، ويعني المستنير أو المتفتح، يقدّر عدد المنتمين إلى البوذية بما يقارب 400 مليون في العالم، فهم في الهند والصين، وفي الكوريتين وفي اليابان كما يوجد أتباع لهذه الديانة في الدول الغربية أيضًا. لو أردنا أن نتحدث عن مؤسسها، نقول في البداية أن (بوذا) ليس نبيًا على التحقيق، وإن كان بعض الباحثين المسلمين المعاصرين[371] قد ذكروا عنه أنه نبي الهند وأنه بُعث من قبل السماء

--> 370 النساء: 125 371 ذكر عدد من الباحثين المسلمين أن بعض الديانات التي صنفت على أنها ديانات أرضية كانت في الأصل سماوية وقد طرأ عليها التحريف بمرور الزمان وأنها سماوية أو على الأقل احتمال أن تكون كذلك. فممن أشار إلى ذلك المرحوم السيد محمد الشيرازي في كتابه (فلسفة التاريخ) حيث ذكر فيه في الفصل السابع: " وإنّي أحتمل أن تكون البوذية في الأصل ديناً سماوياً لكنّها حُرّفت، وفي قصّة للإمام العسكري (ع) المذكورة في البحار ما يؤيّد ذلك".. وأيضًا قال ما يقاربه في موضوع الهندوسية:" وفي الأصل كانت البرهمية ـ الهندوكية ـ ديانة التوحيد، ولذا نحتمل أن يكون لها أصل ونبي واقعي ثمّ حرّفوا وبدّلوا، واليوم يعتقدون بالتثليث، وآلهتهم الثلاثة هي: براهما، وشيفا، وفيشنو". كما أن الداعية د. عدنان إبراهيم قال في احدى محاضراته المسجلة على اليوتيوب: أنه يحتمل أن يكون بوذا نبيًا وأن تكون ديانة الهية ومع أنه قال إن الموضوع يحتاج إلى درس معمق من قبل علماء الأديان المقارن إلا أنه أشار إلى إشارة رآها في منتهى الروعة، فقال: في قوله تعالى: والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين، قال الزيتون: محل ولادة عيسى بإجماع المفسرين كما قال. وطور سينين محل خطاب الله لموسى، والبلد الامين محل ولادة النبي محمد.. يبقى التين: يقول إن كل دارس للبوذية يعلم أن أول ما جاءته لحظة الاشراق والاستبصار كان تحت شجرة التين، فهي إشارة إلى الأصل الالهي للبوذية! وقد ألف الباحث المصري نهرو طنطاوي كتابا أثار لغطا في مصر أدى لمنع الأزهر ذلك الكتاب وذكر فيه ان الديانات الأرضية هي سماوية ومنها البوذية.. ولم يتسن لنا الاطلاع عليه. وكذلك فعل د مؤيد السعدي حيث كتب مقالة في صفحته على الفيسبوك هي جواب على سؤال هل أن بقية المناطق غير المنطقة العربية والاسيوية قد بعث لها أنبياء أو لا؟ وقد أجاب عن ذلك بعدد من الأفكار والخطوات لينتهي إلى أن مثل البوذية والزرادشتية والكونفوشية هي ديانات وأربابها أنبياء.. ولأن فيه بعض الاستدلال نشير إليه باختصار: فابتدأ بالاستشهاد بآيات القرآن مثل (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطاغوت) (النحل – 36) لإثبات أن كل الأمم لها رسل، ثم شرع يقتفي أوجه التطابق بين ملامح شخصيات أنبياء القرآن وملامح قادة الأديان الهندية والصينية والإيرانية القدماء وأحوالهم مع أقوامهم، وموقف أقوامهم منهم ومن دعوتهم فرأى من أوجه التشابه:- العزلة والاعتكاف والتأمل قبل النبوة: وبأنهم كان لديهم وحي وإدعاء النبوة من جهتهم.. وهم لم يدعوا أن ما عندهم هو منهم وإنما من الله! ومن أوجه التشابه: تكذيب أهل الترف والجاه للأنبياء وكذلك فإنهم يشتركون في الهجرة من أوطانهم كما أنهم لم يدّعوا الالوهية والربوبية.. أقول: لا يظهر مما تقدم بكامله ما (يدل) على سماوية الديانات تلك، ولا على نبوة رؤسائها، نعم يبقى في دائرة الاحتمال ولكنه غير كاف، فإن ما ذكره المرحوم الشيرازي هو بهذا المقدار! وربما لأجل هذا فإنه لم يرتب على هذا الاحتمال أثرا كما ذكر في موسوعة الفقه 27/ 48 حيث قال: " أما الأديان الأخر: كالهندوكية، والكنفوشيوسية، والبوذية، فإنها وإن كانت فيها أثارة من علم، ويحتمل أن يكون الذين جاؤوا بها أنبياء من جملة أنبياء الله الذين جهلناهم، وإنما حرف تعاليمها أهلها، لكن كل ذلك لا ينفع في كونهم أهل الكتاب، يجري عليهم أحكام أهل الكتاب". وما ذكره د. عدنان لا أعلم ما هو وجه الدلالة فيه! خصوصا وأن هذا الموضوع لم يأت من مصدر وحياني، وقد فسر القَسم بالتين بتفسيرات مختلفة! لم يكن ما ذكره واحدا منها. وما ذكره د. السعدي من أوجه التشابه يمكن أن يقال يكفي فيه أن أوجه التشابه موجودة بين الأنبياء الربانيين وبين المصلحين الاجتماعيين الأرضيين فإن الكثير من المصلحين الاجتماعيين (غير الانبياء) كان لهم نفس هذه النقاط المتشابهة والمتوافقة! وبإمكان الإنسان أن يأخذ الكثير من أسماء المصلحين فيطبق عليهم نفس أوجه التشابه التي ذكرت.