فوزي آل سيف

124

من قصة الديانات والرسل

لا يقال: إن تلك الديانات هي الإسلام، بالمعنى اللغوي، فإن فيها استسلامًا لله تعالى وخضوعا له، وبالتالي فإن هؤلاء أيضًا يبتغون ـ بديانتهم ـ الإسلام، فلن يكونوا خاسرين! والجواب عنه: بأن هذا هو نوع من المغالطة فإن عنوان الإسلام واضح في أن المقصود منه اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله، دون سائر الديانات والشرائع، والشاهد على ذلك أن النبي كان يدعو أصحاب تلك الديانات للإسلام، فلو كان الأمر كما تقولون لَكان من السهل أن يجادل اليهوديُّ والنصراني والصابئيُّ النبيَّ محمدًا بأن ديننا هو الإسلام بمعنى الاستسلام! فلماذا تدعونا إليه؟ ولَكان من الخطأ أن يقول القرآن الكريم (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإسلام) ويقصد بذلك اليهود! وكان من الخطأ أن يخصص الله المسلمين بأنه رضي (لهم) الإسلام دينا،[346]إذا كان الإسلام يعني كل الأديان الأخرى فماذا يعني أن يمن عليهم بأنه أكمل عليهم النعمة حينما رضي (لهم) الإسلام دينا؟ 2/ إن من المعلوم أن القرآن الكريم[347]قد انتقد الأحبار والرهبان وأتباعهم من اليهود والنصارى كثيرًا إذ لم يستجيبوا للرسول ووصفهم بالكفر[348]فكيف يصفهم هناك بالكفر والمروق عن الدين والمشاقة لله، والاستكبار على أوامره.. إن هذا لهو عين التهافت والتناقض فإما أن يكونوا كفارًا فلا معنى للقول بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! وإما أن يكونوا من أهل الجنة فلا معنى لأن يكونوا كفارًا! ولكن الصحيح هو ما سيأتي أن تلك الأحكام كانت ثابتة لهم قبل مجيء الرسالة الخاتمة فلما جاءت لم يكن مقبولا من أحد غير إسلام رسول الله، بل لو جاء موسى وعيسى عليهما السلام بنفسيهما لما كان لهما إلا أن يتبعا النبي محمدا صلى الله عليه وآله. 3/ إن من المعلوم لكل من اطلع على التاريخ أن النبي صلى الله عليه وآله، قد دعا اليهود والنصارى (من قادة سياسيين وزعماء دينيين وعامة) للدخول في دين الله فدعا هرقل المسيحيين وأرسل له رسالة للدخول في الإسلام والمقوقس المسيحي في مصر كذلك، ونجاشي الحبشة المسيحي، ويهود المدينة وكل أولئك كانوا على ملة وديانة ولم يقل إن هؤلاء ناجون فلا ينبغي دعوتهم، كما لن يقبل منهم ذلك لو قالوا؛ ولو كان بقاؤهم على دينهم ينجيهم لكانتْ دعوتهم إلى غير دينهم لغوا، فكيف إذا كانت مقرونة بالحروب كما هو في حال اليهود! إذن ما دام تفسير الآيات بالتعددية الدينية خاطئا، فما هو التفسير السليم لهذه الآيات؟ إن هناك تفسيرين لها كلٌّ منهما يمكن أن يكون صحيحًا: الأول: أنها تتحدث عن المؤمنين والمسلمين حاليًا، وعن اليهود والنصارى والصابئة قبل بزوغ شمس الإسلام أي أنّ أصحاب الديانات المذكورة – ممن لم يُدركوا الإسلام – إنْ آمنوا بالله وباليوم الآخر وعملوا الصالحات؛ فهم موعودون بالفلاح والفوز يومَ القيامة. أما مَن أدرك الإسلام منهم أو وُلد في زمان الإسلام؛ لا يسعه – إنْ أراد النجاة - إلا اتباعُ الإسلام.

--> 346 ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِينًا) المائدة: 3 347 في سورة البقرة، وسورة آل عمران وسورة النساء، وسورة المائدة، والتوبة، وسورة القصص.. 348 فقال (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة: 16/ وقال (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) المائدة: 73 وقال (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ)التوبة: 30 / وخاطبهم بالقول:(لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) آل عمران 70-71 وقرعهم بالقول (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ) آل عمران: 99 وبأن كثيرا منهم يودون لو يرتد المسلمون كافرين وثنيين (لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) البقرة: 109..