فوزي آل سيف

125

من قصة الديانات والرسل

ومما يؤيد هذا التفسير ما ورد من سبب نزول الآية المباركة؛[349]إذ كانت جوابَ السماءِ على سؤالٍ وجهه سلمانُ المحمدي رضوان الله عليه للنبي صلى الله عليه وآله لخصوص نجاةِ أو هلاك أتباعِ الدياناتِ السابقة (اليهود والنصارى والصابئين) ممن لم يدركوا بعثة النبي؛ فكان نزول الآيةِ تقريرًا أنّ أولئك إنْ صدقَ إيمانهم بالله وباليوم الآخر وجمعوا مع ذلك الصالح من العمل فهم في ركبِ الناجين يوم القيامة. الثاني: مؤداه أنّ إيمان النصارى واليهود والصابئة بالله واليوم الآخر؛ يقتضي ويستلزم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله؛ ذلك أنّ كتبهم السماوية غير المحرّفة تُبشّر بولادة الدين الذي يختم الله به الأديان، ويكون مهيمنًا عليها، وتذكرُ صفات النبي المبعوث بذلك الدين. وعليه... فإنّ المدار والمعوّلَ ليس على إدعاء الإيمان بدينٍ من الأديان؛ إنّما المدار على الإيمان الحقيقي الذي يقود إلى الالتزامِ بتعاليم ووصايا ذلك الدين. ومن تعاليم ووصايا تلك الأديان أن يؤمنوا برسول الله ويشهد لذلك قوله تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنجيل). فإنما تكتب هذه الرحمة لأولئك الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم، أما من لا يتبعونه مع علمهم فلا تنالهم تلك الرحمة. ويشهد له أيضًا قوله تعالى: "فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا". ثانيًا: العقائد الأساسية للصابئة: يشترك الصابئة مع المسلمين في عقائد وأحكام[350]؛منها: 1/ الاعتقاد بالله عز وجل: فهم يؤمنون – بحسب كتبهم - بالإله الواحد الأحد الذي لا مثيلَ ولا نظيرَ له، والذي ليس بجسم، وهذا المقدار من المعرفة بالله سبحانه يشترك فيه الصابئة مع المسلمين. فهم يرون أنفسهم موحدين لله، وديانتهم ديانة توحيدية. كذلك فإنهم يحترمون ويعظمون عددًا من الأنبياء عليهم السلام، بينهم آدم أبو البشر، وابنه شيث هبة الله، وكذلك ادريس (اخنوخ) ونوح ويحيى بن زكريا حيث ينظرون ليحيى وكأنه نبيهم الأكبر. التعاليم الأخلاقية والدينية:كما يوجد في تشريعات الصابئةِ أحكام تتفق كثيرًا مع المسلمين؛ وهذا راجع إلى ما يقوله بعض العلماء ـ ممن سيأتي ذكر فتاواهم ـ أن الصابئة هم قسم من المسيحيين وكان لديهم بعض المبادئ والتعاليم الباقية من زمان شيث بن آدم وإبراهيم الخليل عليهما السلام ويحيى، فهم في العلاقات الجنسية؛ يحرمون اللواط والزنا، ونكاح المحارم (الأم والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت). ويؤكدون كثيرا على الزواج ـ حتى بالنسبة

--> 349 الطبري، محمد بن جرير: تفسير جامع البيان ط هجر ٢/‏٤٤: وقد نقل قصة اسلام سلمان الفارسي، حين اجتمع برسول الله صلى الله عليه وآله، إلى أن قال:. فَبَيْنا هُوَ يُحَدِّثُهُ إذْ ذَكَرَ أصْحابَهُ، فَأخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَقالَ: كانُوا يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويُؤْمِنُونَ بِكَ، ويَشْهَدُونَ أنَّكَ سَتُبْعَثُ نَبِيًّا؛ فَلَمّا فَرَغَ سَلْمانُ مِن ثَنائِهِ عَلَيْهِمْ قالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «يا سَلْمانُ هُمْ مِن أهْلِ النّارِ» فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى سَلْمانَ، وقَدْ كانَ قالَ لَهُ سَلْمانُ: لَوْ أدْرَكُوكَ صَدَّقُوكَ واتَّبَعُوكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ البقرة: ٦٢ " فَكانَ إيمانُ اليَهُودِ أنَّهُ مَن تَمَسَّكَ بِالتَّوْراةِ وسُنَّةِ مُوسى حَتّى جاءَ عِيسى، فَلَمّا جاءَ عِيسى كانَ مَن تَمَسَّكَ بِالتَّوْراةِ وأخَذَ بِسُنَّةِ مُوسى فَلَمْ يَدَعْها ولَمْ يَتَّبِعْ عِيسى كانَ هالِكًا وإيمانُ النَّصارى أنَّهُ مَن تَمَسَّكَ بِالإنْجِيلِ مِنهُمْ وشَرائِعِ عِيسى كانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنهُ، حَتّى جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَمَن لَمْ يَتْبَعْ مُحَمَّدًا ﷺ مِنهُمْ ويَدَعْ ما كانَ عَلَيْهِ مِن سُنَّةِ عِيسى والإنْجِيلِ كانَ هالِكًا.. 350 يراجع: الخيون؛ رشيد: الأديان والمذاهب بالعراق ص 20ـ 70 منشورات الجمل / ألمانيا ومواقع خاصة بالصابئة على النت أو كتبت عنهم.