فوزي آل سيف

107

من قصة الديانات والرسل

ممن لم ترتبط مصالحهم المادية بعبادة الأصنام وبالنظام الاجتماعي الجائر الذي كان سائدا في مكة، إلا أن تكاثر المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وآله كان من الطبيعي أن يعلن عن تلك الدعوة وعن أشخاصها لا سيما وأن الكثير من المؤمنين كانوا محكومين من قبل ساداتهم أو آبائهم.. فكانت المواجهة بين قريش ورجالها وشخصياتها وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله والمؤمنين به، وكان الرأس الأكبر في الدفاع عنه عمه أبا طالب عليه السلام الذي أعلنها قائلا له: "اخرج ابن أخي فإنك الرفيع كعبًا، والمنيع حزبًا، والاعلى أبًا، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد.."[308] وهكذا أعلنت الدعوة صريحة، بأمر الله نبيه أن يعلنها (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)[309]وبالرغم من محاولات قريش منع النبي صلى الله عليه وآله بل الاعتداء عليه إلا أن حماية أبي طالب عليه السلام لرسول الله كانت حاجزًا منيعا. ومع وفاة أبي طالب في السنة العاشرة للبعثة وزوجته خديجة عليهما السلام فقد ركنين أساسيين للإسلام.. عندها بدأ النبي يُعد العدة للهجرة في السنوات الثلاث الباقية من البعثة فأرسل جماعة محدودة إلى الحبشة في أولى الفترات، ثم بعث جعفرا بن أبي طالب في مجموعة كبيرة في سفرة ثانية، فحمى بذلك المؤمنين به من التعذيب الذي وصل إلى القتل بالنسبة لبعضهم. وفي ثالث السفرات كانت هجرته عليه وآله السلام، فبعدما خلف ابن عمه عليا بن أبي طالب في مكة يقضي دينه وينجز عِداته ويقوم بأعماله وكان هذا أول استخلاف عملي له، في إدارة شؤون الاسلام، وإن كان قد أخبر عن استخلافه ووصايته في وقت مبكر في يوم الدار والانذار. في المرحلة الثالثة: هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنورة لتشرق بنور ربها، وبعدما كانت ممزقة بين عداوات الأوس والخزرج ها هم قد أصبحوا (بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا..) وبعدما كانوا على شفا حفرة من النار أنقذهم الله بمحمد المصطفى وبدأ النبي يبني ذلك المجتمع الذي سيكون بفضل الله وأداء رسوله (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). بالطبع لم يكن هيِّنا على قريش أن تهزم بهذه الصراحة، وأن تتلقى هذه الصفعات واحدة بعد الأخرى ولم يكن متوقعا أن تجلس ساكنة، فقد قالت لأبي طالب إن ابن أخيه سب آلهتهم وأفسد عليهم شبابهم! يعني بعبارة أخرى أسقط اعتبارنا عند القريب والبعيد، ثم هاجر المؤمنون هنا وهناك ونجوا بدينهم وحياتهم، وخرج رسول الله من مكة ولم يصنعوا له شيئا بل عندما حاولوا أن يواجهوا ابن عمه وهو لا يزال في نضارة العمر وأول الشباب رجعوا خائبين وخرج علي عليه السلام إلى المدينة! لذلك كانت نفوسهم مهيأة للاصطدام العسكري مع النبي وأصحابه، وكانوا يبحثون عن مناسبة لذلك، فجاءت محاولة المسلمين السيطرة على قافلتهم التجارية التي كانت بقيادة أبي سفيان مبررا حسنا، وجمعوا ما جمعوا ومن جمعوا ليواجهوا النبي في بدر لتبدأ اول المعارك في السنة الثانية للهجرة و(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) وتلتها مواجهاتٌ كثيرة متعددة المستويات ما بين سرايا قليلة العدد وما بين حروب ضخمة فكانت أحد بعد بدر بسنة وكان بعدها الخندق وكان النصر حليف جند الله وأتباع رسول الله وقد ذكّر الله المسلمين بذلك (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ)؛ وبيّن أئمة الهدى أن تلك المواطن تجاوزت ثمانين موقعة! وكان منها بعد ذلك معركة خيبر مع اليهود وما تلاها من معارك معهم انتهت بجلائهم من المدينة بعد خياناتهم المتكررة

--> 308 المجلسي، بحار الأنوار 35/ 148 309 الحِجر: 94