فوزي آل سيف
106
من قصة الديانات والرسل
نمى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اشتد عوده ورجع من جديد إلى مكة وبقي في كنف ورعاية جده عبد المطلب إلى سن عندها سنوات توفي جده عبد المطلب وقد عهد بكفالته لعمه أبي طالب فكان نِعم وريث الاهتمام من أبيه عبد المطلب. نمى رسول الله صلى الله عليه وآله على غير ما ينمو عليه أقرانه وكان تحت رعاية الله المباشرة، وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:" لقد قرن الله به -صلى الله عليه وآله- من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره"،[307]مع بلوغه مرحلة الشباب بدأ يعمل لكي يكسب مالًا ينفقه على نفسه ولا يكون كَلًّا على غيره، خصوصا وأن عمه أبا طالب وهو الباقي له بعد وفاة أبيه ثم أمه ثم جده، كان قليل المال وإن كان عظيم الشخصية، وكثير العيال. فبدأ يتطلع للعمل بالتجارة، وقد ذكرنا أن بني هاشم وعموم الحنفاء كانوا يجدون في التجارة المورد المناسب للارتزاق والذي كان يتوافق مع قيمهم الأخلاقية، فكان أن عرض الأمر على عمه أبي طالب وكان خديجة بنت خويلد ولم تتزوج بعدُ تملك مالًا كثيرا، فتم الأمر بينهما على أن يعمل رسول الله معها بطريقة المضاربة وهو أن يكون من طرفٍ المالُ ومن شخص آخر العمل والتجارة، وما كان من ربح يكون بينهما بالنسبة التي تحدد. وهو معروف منذ القدم (ومن الناحية الشرعية جائز). ومع بداية عمل النبي بمال خديجة بنت خويلد وكان قد لفت نظرها رسول الله صلى الله عليه وآله وجلب اهتمامها منذ شبابه وقبل أن يبلغ العشرين لا سيما مع تواتر الأخبار من الكهنة والقساوسة من أهل الكتاب في قولهم إنه يوشك أن يُبعث نبيٌ من مكة وأنه في بني هاشم، ولم يكن غير محمد بن عبد الله يمكن أن تنطبق عليه تلك الإخبارات! تلك الأنباء مع ما جاء به غلامها ميسرة الذي سافر مع النبي محمد صلى الله عليه وآله في تجارة خديجة، ونقله لها العجائب مما رآه فيه وعنه، جعلها تبادر لترتيب أمر زواجها من النبي رغبة فيه وحبًّا له وتعقلا منها، فكان أن تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وكان في الخامسة والعشرين من العمر وهي بحدود الثامنة والعشرين من العمر. تزوج النبي بخديجة وحظيت عنده بمنزلة لم تبلغها كل نسائه مجتمعات! ولا غرابة في ذلك فإن منزلة النبي صلى الله عليه وآله عند ربه لم يبلغها كل الأنبياء مجتمعين! وأكرمها الله سبحانه وتعالى بأن جعله نسله منها وجعل بقاء واستمرار ذريته من خلال فاطمة ابنتها دون سواها من البنات والبنين! كان زواجها به قبل بعثته، فجاءت بعثته رسولا من ربه لتزيد إيمانها به وخدمتها إياه وتضحيتها بكل ما تملك من أجله. ولم يكن هذا لأجل ما يصوره بعض المستشرقين المسيحيين اعتمادا على ما ورد من معلومات غير دقيقة في بعض مصادر مدرسة الخلفاء من تعظيم لدور ورقة بن نوفل، الذي بقي إلى أن مات ولم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله فمات على دين النصارى! فليس من المعقول أن (يقنع خديجة فضلا عن النبي بصدق نبوته!). المرحلة الثانية: وهي فترة البعثة إلى بداية الهجرة وقد استغرقت 13 سنة، وقد بدأ النبي فيها بدعوة من حوله من أهل مكة، ممن يحتمل فيهم الاستجابة لدعوته، وحيث أنه لا بد من التقية والتكتم، فقد بدأ النبي دعوته تلك بشكلها السري، وبدأت تنتشر بين الفقراء والضعفاء والشباب
--> 307 الرضي، السيد الشريف: نهج البلاغة ، ما اختاره من كلام أمير المؤمنين 1 /300