فوزي آل سيف
105
من قصة الديانات والرسل
المتأخرين ارتضاعه منها إلا أن هذا النفي ليس له أساس علمي وقد تعرضنا لأصل النفي والرد عليه في كتابنا أعلام الأسرة النبوية. نعم يُنفى بعض ما احتف بالرواية الرسمية المعروفة من تفاصيل لا نعتقد بصحتها مثل ما قالوه من أن حليمة السعدية لم تحصل على طفل من أطفال ذوي الثراء، فأخذت هذا اليتيم! وهذا الكلام غير صحيحٍ بتاتًا فإن عبد المطلب في ذلك الوقت كان سلطان مكة لا ينازعه أحدٌ سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي الدنيوي، وكان صاحب الايلاف والمعاهدات، مع الروم واليمن والأحباش، وكان يستقبل من جهتهم على مستوى الملوك. ولا ريب أنه حتى بالمقاييس العادية والمادية ستحب أي مرضعة أن تتعامل مع رئيس البلد والمتنفذ فيها. هذا بالإضافة إلى ما وجدت حليمة من آثار بركة الرسول صلى الله عليه وآله بمجرد أن لامس النبي بدنها واحتضنته وأرضعته فإذا به يملأها بركة، فها هي ترى اللبن قد در في ثدييها حتى أثقلهما وكانت تجهد فيما مضى حتى ترضع ابنها فإذا بها تشبعه والرضيع المبارك ويزيد عنهما! بل لقد أحاطت البركة بها من مختلف الأطراف حتى أن دابتها التي حملتها وحملت عليها رسول الله أصبحت تسابق الريح قوة ونشاطًا أثار تعجب من كان معها في الرفقة! وقد ذكرنا في موضع آخر أن من أسباب دفع عبد المطلب حفيده لحليمة لكي يرتضع عندها في البادية، له بعض الأسباب الظاهرية ومنها أن اللغة العربية في البادية أنقى وأفصح ولم تهجن بالاختلاط، (وإن كنا نعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله لا يحتاج إلى تعليم من الغير ولكن الكلام هو في الأسباب الظاهرية)، كما يذكر أيضا السبب الصحي وذلك أن بيئة مكة لم تكن مناسبة للصحة العامة لا سيما للأطفال الصغار، فلم يكن الماء متوفرا كثيرا، ولم يكن هناك نظام للتخلص من الفضلات الانسانية أو غيرها! فيكفي أن يعلم أن التغوط وقضاء الحاجة لم يكن في (كُنف ومراحيض) في ذلك الوقت وإنما كان الرجل أو المرأة يخرج من بيته ويبعد قليلا عن الانظار ويقضي حاجته! وتصور لو حصل هذا في مدينة في هذا الزمان كيف ستكون البيئة؟ بل حتى الفضلات الأخرى مثل بقايا الحيوانات المذبوحة وما شاكلها كانت تبقى لفترات في وسط البلد، وشاهد ذلك أن منطقة (الحزوّرة) وهي لا تبعد عن الكعبة حتى خمسين مترا كانت منطقة ذبح! وكانت بقايا الحيوانات المذبوحة من سلا وفرث تكون هناك ويشير إليه ما ورد من محاولة بعضهم أن يلقي ذلك على النبي صلى الله عليه وآله بعد بعثته! فهذا وأمثاله يجعل بيئة مكة غير صحية، ولذلك كان أهلها يرسلون أطفالهم الصغار للبادية. والبعض من الكتاب احتمل أن يكون لذلك جهة أمنية تنتهي إلى الحفاظ على حياة الرسول من مكائد أعدائه اليهود حيث قال بأنهم بمجرد أن علموا بولادته سعوا في القضاء عليه، ويستشهد على ذلك بتحذير بعض الرهبان النصارى عبد المطلب من اليهود وأنهم يقتلون حفيده لو استطاعوا. يبقى أن نشير إلى عدم صحة ما روي في مصادر مدرسة الخلفاء من قصة شق الصدر، وأنه جاءه ملكان وقام أحدهما بشق صدره ليستخرج منه نصيب الشيطان! ونعتقد أن هذه من قصص مسلمة أهل الكتاب الذين أرادوا إعلاء شخصيات الديانات الأخرى على حساب نبينا فإنهم يزعمون أنهم قالوا كل ابن آدم فيه نصيب من الشيطان إلا عيسى بن مريم! فإن نصيب الشيطان ـ لو كان في الانسان ـ فإنما هو بالوسوسة والتزيين له لا أكثر من ذلك! ونصيب الشيطان ليس مضغة من جلد أو غدة وإلا لكان الناس يزيلونها بعملية جراحية ويستريحون!