ابن أبي الحديد
91
شرح نهج البلاغة
الا الله الواحد القهار ; الذي إليه مصير جميع الأمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها . لم يتكاءده صنع شئ منها إذ صنعه ، ولم يؤده منها خلق ما براه وخلقه ، ولم يكونها لتشديد سلطان ، ولا لخوف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر ، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور ، ولا للازدياد بها في ملكه ، ولا لمكاثرة شريك في شركه ، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها . ثم هو يفنيها بعد تكوينها ; لا لسام دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصله إليه ، ولا لثقل شئ منه عليه ، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، ولكنه سبحانه دبرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشئ منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس ، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة ، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة . * * * الشرح : شرع أولا في ذكر اعدام الله سبحانه الجواهر وما يتبعها ويقوم بها من الاعراض قبل القيامة ، وذلك لان الكتاب العزيز قد ورد به ، نحو قوله تعالى ( كما بدانا أول خلق نعيده ) ( 1 ) ومعلوم انه بداه عن عدم ، فوجب أن تكون الإعادة عن عدم أيضا وقال تعالى ( هو الأول والاخر ) ( 2 ) ; وإنما كان أولا لأنه كان موجودا ، ولا شئ من
--> ( 1 ) سورة الأنبياء 104 . ( 2 ) سورة الحديد 3 .