ابن أبي الحديد
92
شرح نهج البلاغة
الأشياء بموجود ، فوجب أن يكون آخرا كذلك ، هذا هو مذهب جمهور أصحابنا وجمهور المسلمين . ثم ذكر أنه يكون وحده سبحانه بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان ، وذلك لان المكان اما الجسم الذي يتمكن عليه جسم آخر ، أو الجهة ، وكلاهما لا وجود له بتقدير عدم الأفلاك وما في حشوها من الأجسام ، اما الأول فظاهر ، واما الثاني فلان الجهة لا تتحقق الا بتقدير وجود الفلك ، لأنها أمر إضافي بالنسبة إليه ، فبتقدير عدمه لا يبقى للجهة تحقق أصلا ، وهذا هو القول في عدم المكان حينئذ ، واما الزمان والوقت والحين فكل هذه الألفاظ تعطى معنى واحدا ، ولا وجود لذلك المعنى بتقدير عدم الفلك ، لان الزمان هو مقدار حركة الفلك ، فإذا قدرنا عدم الفلك فلا حركة ولا زمان . ثم أوضح عليه السلام ذلك وأكده ، فقال : ( عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ) ، لان الاجل هو الوقت الذي يحل فيه الدين أو تبطل فيه الحياة ، وإذا ثبت انه لا وقت ، ثبت انه لا اجل ، وكذلك لا سنة ولا ساعة ، لأنها أوقات مخصوصة . ثم عاد عليه السلام إلى ذكر الدنيا ، فقال ( بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ) ; يعنى انها مسخرة تحت الامر الإلهي . قال ( ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها ) ، لأنها كانت تكون ممانعة للقديم سبحانه في مراده ، وإنما تمانعه في مراده لو كانت قادرة لذاتها ، ولو كانت قادرة لذاتها وأرادت البقاء لبقيت . قوله عليه السلام ( لم يتكاءده ) بالمد ، أي لم يشق عليه ; ويجوز لم ( يتكأده ) بالتشديد والهمزة ، واصله من العقبة الكؤود ، وهي الشاقة .