ابن أبي الحديد

88

شرح نهج البلاغة

قال لو كان محدثا لجرت عليه صفات الأجسام المحدثة ، فلم يكن بينه وبين الأجسام المحدثة فرق ، فكان يستوي الصانع والمصنوع ، وهذا محال . ثم ذكر انه خلق الخلق غير محتذ لمثال ، ولا مستفيد من غيره كيفية الصنعة ، بخلاف الواحد منا ، فان الواحد منا لا بد أن يحتذى في الصنعة ، كالبناء ، والنجار والصانع وغيرها . قال عليه السلام ( ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ) لأنه تعالى قادر لذاته لا يعجزه شئ . ثم ذكر إنشاءه تعالى الأرض ، وانه أمسكها من غير اشتغال منه بإمساكها ، وغير ذلك من أفعاله ومخلوقاته ، ليس كالواحد منا يمسك الثقيل فيشتغل بإمساكه عن كثير من أموره . قال ( وأرساها ) ، جعلها راسية على غير قرار تتمكن عليه ، بل واقفة بإرادته التي اقتضت وقوفها ، ولان الفلك يجذبها من جميع جهاتها - كما قيل - أو لأنه يدفعها من جميع جهاتها ، أو لان أحد نصفيها صاعد بالطبع ، والاخر هابط بالطبع ، فاقتضى التعادل وقوفها ، أو لأنها طالبه للمركز فوقفت . والأود الاعوجاج ، وكرر لاختلاف اللفظ . والتهافت التساقط والأسداد جمع سد ، وهو الجبل ، ويجوز ضم السين . واستفاض عيونها ، بمعنى أفاض ، أي جعلها فائضة . وخد أوديتها ، أي شقها فلم يهن ما بناه ، أي لم يضعف .