ابن أبي الحديد

89

شرح نهج البلاغة

الأصل : هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي على كل شئ منها بجلاله وعزته ، لا يعجزه شئ منها طلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه . . خضعت الأشياء له ، وذلت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره ، ولا كفء له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه . هو المفنى لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها ، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من انشائها واختراعها . وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها - من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلدة أممها وأكياسها - على احداث بعوضة ، ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى ايجادها ، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنها مقهورة ، مقرة بالعجز عن انشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها . * * * الشرح : الظاهر : الغالب القاهر ; والباطن : العالم الخبير . والمراح بضم الميم النعم ترد إلى المراح بالضم أيضا ; وهو الموضع الذي تأوي إليه النعم ، وليس المراح ضد السائم على ما يظنه بعضهم ، ويقول إن عطف أحدهما على الاخر عطف