ابن أبي الحديد
60
شرح نهج البلاغة
المعتزلة الا القليل ، قال قد كنت ألقي من الذر والنمل في الرطب يكون عندي وفي الطعام عنتا كثيرا ، وذلك لأني كنت لا استقذر النملة ولا الذرة ، ثم وجدت الواحدة منهما إذا وقعت في قارورة بان أو زئبق أو خيري ، فسد ذلك الدهن وزنخ ، فقذرتها ونفرت منها ، وقلت أخلق بطبيعتها أن تكون فاسدة خبيثة ، وكنت أرى لها عضا منكرا ، فأقول انها من ذوات السموم ، ولو إن بدن النملة زيد في اجزائه حتى يلحق ببدن العقرب ، ثم عضت انسانا لكانت عضتها أضر عليه من لسعة العقرب . قال فاتخذت عند ذلك لطعامي منملة وقيرتها ، وصببت في خندقها الماء ، ووضعت سلة الطعام على رأسها ، فغبرت أياما اكشف رأس السلة بعد ذلك ، وفيها ذر كثير ، ووجدت الماء في الخندق على حاله ، فقلت عسى أن يكون بعض الصبيان أنزلها ، واكل مما فيها وطال مكثها في الأرض ، وقد دخلها الذر ثم أعيدت على تلك الحال ، وتكلمت في ذلك وتعرفت الحال فيه ، فعرفت البراءة في عذرهم ، والصدق في خبرهم ، فاشتد تعجبي ، وذهبت بي الظنون والخواطر كل مذهب ، فعزمت على أن أرصدها وأحرسها ، وأتثبت في أمري ، وأتعرف شأني ، فإذا هي بعد أن رامت الخندق فامتنع عليها تركته جانبا ، وصعدت في الحائط ، ثم مرت على جذع السقف ، فلما صارت محاذية للسلة أرسلت نفسها فقلت في نفسي انظر كيف اهتدت إلى هذه الحيلة ولم تعلم أنها تبقى محصورة . ثم قلت وما عليها أن تبقى محصورة بل أي حصار على ذرة وقد وجدت ما تشتهى . قال أبو عثمان ومن أعاجيب الذرة انها لا تعرض لجعل ولا لجرادة ولا لخنفساء ولا لبنت وردان ، ما لم يكن بها حبل أو عقر أو قطع رجل أو يد ، فان وجدت بها من ذلك أدنى علة ، وثبت عليها ، حتى لو أن حية بها ضربة أو خرق أو خدش ، ثم كانت من