ابن أبي الحديد
49
شرح نهج البلاغة
في العقل بريئة من المادة ، والمراد بتلقيه سبحانه ها هنا تلقى صفاته ، لا تلقى ذاته تعالى ، لان ذاته تعالى لا تتصورها العقول ، وسيأتي ايضاح أن هذا مذهبه عليه السلام . ثم قال ( وتشهد له المرائي لا بمحاضرة ) ، المرائي جمع مرئي ، وهو الشئ المدرك بالبصر ، يقول المرئيات تشهد بوجود البارئ ، لأنه لولا وجوده لما وجدت ، ولو لم توجد لم تكن مرئيات ، وهي شاهدة بوجوده لا كشهادتها بوجود الابصار ، لأنها شهدت بوجود الابصار لحضورها فيها . واما شهادتها بوجود الباري فليست بهذه الطريق ، بل بما ذكرناه . والأولى أن يكون ( المرائي ) ها هنا جمع ( مرآة ) بفتح الميم ، من قولهم هو حسن في مرآة عيني ، يقول إن جنس الرؤية يشهد بوجود الباري من غير محاضرة منه للحواس . قوله عليه السلام ( لم تحط به الأوهام ) إلى قوله عليه السلام ( واليها حاكمها ) ، هذا الكلام دقيق ولطيف ، والأوهام ها هنا هي العقول ، يقول إنه سبحانه لم تحط به العقول ، أي لم تتصور كنه ذاته ، ولكنه تجلى للعقول بالعقول ، وتجليه ها هنا هو كشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من صفاته الإضافية والسلبية لا غير ، وكشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من اسرار مخلوقاته ; فاما غير ذلك فلا ; وذلك لان البحث النظري قد دل على انا لم نعلم منه سبحانه الا الإضافة والسلب ، اما الإضافة فكقولنا عالم قادر ، واما السلب فكقولنا ليس بجسم ولا عرض ولا يرى ، فاما حقيقة الذات المقدسة المخصوصة من حيث هي هي ، فان العقل لا يتصورها ، وهذا مذهب الحكماء وبعض المتكلمين من أصحابنا ومن غيرهم . ثم قال ( وبالعقول امتنع من العقول ) ، أي وبالعقول وبالنظر ; علمنا أنه تعالى يمتنع أن تدركه العقول . ثم قال ( والى العقول حكم العقول ) ، أي جعل العقول المدعية انها أحاطت