ابن أبي الحديد
40
شرح نهج البلاغة
قلت وهذا أيضا من العجائب ، لأنه إذا مات يوم الاثنين وقت ارتفاع الضحى - كما ذكر في الرواية - ودفن ليلة الأربعاء وسط الليل ، فلم يمض عليه ثلاثة أيام كما ورد في تلك الرواية . وأيضا فمن العجب كون عائشة ، وهو في بيتها لا تعلم بدفنه حتى سمعت صوت المساحي ، أتراها أين كانت وقد سالت عن هذا جماعة ، فقالوا لعلها كانت في بيت يجاور بيتها عندها نساء كما جرت عادة أهل الميت ; وتكون قد اعتزلت بيتها وسكنت ذلك البيت ، لان بيتها مملوء بالرجال من أهل رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهم من الصحابة ، وهذا قريب ، ويحتمل أن يكون . قال الطبري : ونزل في قبر رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام ، والفضل بن عباس ، وقثم أخوه ، وشقران مولاهم . وقال أوس بن خولي لعلى عليه السلام أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له انزل ، فنزل مع القوم ، واخذ شقران قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وآله يلبسها ، فقذفها معه في القبر ، وقال لا يلبسها أحد بعده ( 1 ) . قلت من تأمل هذه الأخبار ، علم أن عليا عليه السلام كان الأصل والجملة والتفصيل في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وجهازه ، الا ترى أن أوس بن خولي لا يخاطب أحدا من الجماعة غيره ، ولا يسال غيره في حضور الغسل والنزول في القبر ثم انظر إلى كرم علي عليه السلام وسجاحة أخلاقه وطهارة شيمته ، كيف لم يضن بمثل هذه المقامات الشريفة ; عن أوس وهو رجل غريب من الأنصار ، فعرف له حقه واطلبه ( 2 ) بما طلبه فكم بين هذه السجية الشريفة ، وبين قول من قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 1 : 1833 . ( 2 ) أطلبه : أجابه إلى ما طلب .