ابن أبي الحديد
39
شرح نهج البلاغة
واختلفوا في دفنه ، فقال قائل ندفنه في مسجده ، وقال قائل ندفنه في البقيع مع أصحابه ، وقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ( ما قبض نبي الا ودفن حيث قبض ) فرفع فراش رسول الله الذي توفى فيه ، فحفر له تحته . قلت كيف اختلفوا في موضع دفنه ، وقد قال لهم ( فضعوني على سريري في بيتي هذا ، على شفير قبري ) وهذا تصريح بأنه يدفن في البيت الذي جمعهم فيه ، وهو بيت عائشة ; فاما أن يكون ذلك الخبر غير صحيح ، أو يكون الحديث الذي تضمن انهم اختلفوا في موضع دفنه ، وان أبا بكر روى لهم أنه قال ( الأنبياء يدفنون حيث يموتون ) غير صحيح ، لان الجمع بين هذين الخبرين لا يمكن . وأيضا فهذا الخبر ينافي ما ورد في موت جماعة من الأنبياء نقلوا من موضع موتهم إلى مواضع اخر ، وقد ذكر الطبري بعضهم في اخبار أنبياء بني إسرائيل . وأيضا فلو صح هذا الخبر لم يكن مقتضيا ايجاب دفن النبي صلى الله عليه وآله حيث قبض ، لأنه ليس بأمر بل هو اخبار محض ، اللهم الا أن يكونوا فهموا من مخرج لفظه عليه السلام ومن مقصده انه أراد الوصية لهم بذلك ، والامر بدفنه حيث يقبض . قال أبو جعفر ثم دخل ( 1 ) الناس فصلوا عليه أرسالا ، حتى إذا فرغ الرجال ادخل النساء ، حتى إذا فرغ النساء ادخل الصبيان ، ثم ادخل العبيد ، ولم يؤمهم ( 2 ) امام ، ثم دفن عليه السلام وسط الليل من ليله الأربعاء ( 3 ) . قال أبو جعفر وقد روت عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ، عن عائشة قالت ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء ( 4 ) .
--> ( 1 ) الطبري : ( ودخل ) . ( 2 ) الطبري : ( ولم يؤم الناس ) . ( 3 ) تاريخ الطبري 1 : 1832 . ( 4 ) تاريخ الطبري 1 : 1833 .