ابن أبي الحديد
145
شرح نهج البلاغة
ثم نهاهم أن يكونوا كقابيل الذي حسد أخاه هابيل فقتله ، وهما اخوان لأب وأم ، وإنما قال ( ابن أمه ) ، فذكر الام دون الأب ، لان الأخوين من الام أشد حنوا ومحبة والتصاقا من الأخوين من الأب ، لان الام هي ذات الحضانة والتربية . وقوله ( من غير ما فضل ) ، ما هاهنا زائدة ، وتعطى معنى التأكيد ; نهاهم عليه السلام أن يحسدوا النعم ، وان يبغوا ويفسدوا في الأرض ، فان آدم لما أمر ولده بالقربان قرب قابيل شر ماله - وكان كافرا - وقرب هابيل خير ماله - وكان مؤمنا - فتقبل الله تعالى من هابيل ، واهبط من السماء نارا فأكلته ، قالوا لأنه لم يكن في الأرض حينئذ فقير يصل القربان إليه ، فحسده قابيل - وكان أكبر منه سنا - فقال لأقتلنك ، قال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين ، أي بذنبك وجرمك كان عدم قبول قربانك لانسلاخك من التقوى ، فقتله فأصبح نادما ، لا ندم التوبة بل ندم الحير ورقة الطبع البشرى ، ولأنه تعب في حمله كما ورد في التنزيل انه لم يفهم ماذا يصنع به حتى بعث الله الغراب . قوله عليه السلام ( والزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة ) ، لأنه كان ابتدأ بالقتل ، ومن سن سنة شر كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، كما أن من سن سنة خير كان له اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة . وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه ، أن الروايات اختلفت في هذه الواقعة ، فروى قوم إن الرجلين كانا من بني إسرائيل وليسا من ولد آدم لصلبه ، والأكثرون خالفوا في ذلك . ثم اختلف الأكثرون ، فروى قوم أن القربان من قابيل وهابيل كان ابتداء ، والأكثرون قالوا بل أراد آدم عليه السلام أن يزوج هابيل أخت قابيل توأمته ، ويزوج