ابن أبي الحديد
137
شرح نهج البلاغة
غير مصيب ; صدقه به أبناء الحمية ، واخوان العصبية ، وفرسان الكبر والجاهلية ، حتى إذا انقادت له الجامحة منكم ، واستحكمت الطماعية منه فيكم ، فنجمت فيه الحال من السر الخفي إلى الأمر الجلي ، استفحل سلطانه عليكم ، ودلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم ولجأت الذل ، وأحلوكم ورطات القتل ، وأوطأوكم إثخان الجراحة ، طعنا في عيونكم ، وحزا في حلوقكم ، ودقا لمناخركم ، وقصدا لمقاتلكم ، وسوقا بخزائم القهر ، إلى النار المعدة لكم ، فأصبح أعظم في دينكم حرجا ، وأورى في دنياكم قدحا ، من الذين أصبحتم لهم مناصبين ، وعليهم متألبين . فاجعلوا عليه حدكم وله جدكم فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ، ووقع في حسبكم ، ودفع في نسبكم ، واجلب بخيله عليكم ، وقصد برجله سبيلكم يقتنصونكم بكل مكان ، ويضربون منكم كل بنان ، لا تمتنعون بحيلة ، ولا تدفعون بعزيمة ، في حومة ذل ، وحلقة ضيق ، وعرصة موت ، وجولة بلاء . فاطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية ، وأحقاد الجاهلية ، فإنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ، ونزغاته ونفثاته . واعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم ، وإلقاء التعزز تحت أقدامكم ، وخلع التكبر من أعناقكم ، واتخذوا التواضع مسلحة بينكم وبين عدوكم إبليس وجنوده ، فان له من كل أمة جنودا وأعوانا ، ورجلا وفرسانا ; ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه ، سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسب ، وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر ; الذي أعقبه الله به الندامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة .