ابن أبي الحديد
136
شرح نهج البلاغة
قلت كلا لأني في الفصل الأول عللت استحقاقه اسم الكفر بأمر زائد على المعصية المطلقة ، وهو فساد اعتقاده ، ولم اجعل ذلك علة في خروجه من الجنة وهاهنا عللت خروجه من الجنة ، بنفس المعصية ، فلا تناقض . فان قلت ما معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام ( ما كان الله ليدخل الجنة بشرا بأمر اخرج به منها ملكا ) وهل يظن أحد أو يقول إن الله تعالى يدخل الجنة أحدا من البشر بالامر الذي اخرج به هاهنا إبليس كلا هذا ما لا يقوله أحد ، وإنما الذي يقوله المرجئة انه يدخل الجنة من قد عصى وخالف الامر - كما خالف الامر إبليس - برحمته وعفوه ، وكما يشاء ، لا انه يدخله الجنة بالمعصية ، وكلام أمير المؤمنين عليه السلام يقتضى نفى دخول أحد الجنة بالمعصية لان الباء للسببية ؟ قلت الباء ها هنا ليست للسببية كما يتوهمه هذا المعترض ; بل هي كالباء في قولهم خرج زيد بثيابه ، ودخل زيد بسلاحه ، أي خرج لابسا ، ودخل متسلحا ، أي يصحبه الثياب ويصحبه السلاح ، فكذلك قوله عليه السلام ( بأمر اخرج به منها ملكا ) ، معناه إن الله تعالى لا يدخل الجنة بشرا يصحبه أمر اخرج الله به ملكا منها . * * * الأصل : فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعديكم بدائه ، وأن يستفزكم بخيله ورجله ، فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد ، وأغرق إليكم بالنزع الشديد ، ورماكم من مكان قريب ، فقال ( رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) ( 1 ) ، قذفا بغيب بعيد ورجما بظن
--> ( 1 ) سورة الحجر : 39 .