ابن أبي الحديد
129
شرح نهج البلاغة
الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) ( 1 ) ، النون في ( لنعلم ) نون الجمع لا نون العظمة ، أي لتصير أنت وغيرك من المكلفين عالمين لم يطيع ومن يعصى ، كما انا عالم بذلك ، فتكونوا كلكم مشاركين لي في العلم بذلك . فان قلت وما فائدة وقوفهم على ذلك وعلمهم به ؟ قلت ليس بممتنع أن يكون ظهور حال العاصي والمطيع وعلم المكلفين أو أكثرهم أو بعضهم به يتضمن لطفا في التكليف . فان قلت أن الملائكة لم تكن تعلم ما البشر ، ولا تتصور ماهيته ، فكيف قال لهم ( انى خالق بشرا من طين ) قلت قد كان قال لهم انى خالق جسما من صفته كيت وكيت ، فلما حكاه اقتصر على الاسم . ويجوز أن يكون عرفهم من قبل أن لفظة ( بشر ) على ماذا تقع ، ثم قال لهم انى خالق هذا الجسم المخصوص الذي أعلمتكم أن لفظة ( بشر ) واقعة عليه من طين . قوله تعالى ( فإذا سويته ) ; أي إذا أكملت خلقه . فقعوا له ساجدين أمرهم بالسجود له وقد اختلف في ذلك فقال قوم كان قبله ، كما الكعبة اليوم قبلة ، ولا يجوز السجود الا لله وقال آخرون بل كان السجود له تكرمة ومحنة ، والسجود لغير الله غير قبيح في العقل إذا لم يكن عباده ولم يكن فيه مفسده . وقوله تعالى ( ونفخت فيه من روحي ) ، أي أحللت فيه الحياة ، وأجريت الروح إليه في عروقه ، وأضاف الروح إليه تبجيلا لها ، وسمى ذلك نفخا على وجه الاستعارة ، لان العرب تتصور من الروح معنى الريح ، والنفخ يصدق على الريح ، فاستعار لفظة ( النفخ ) توسعا .
--> ( 1 ) سورة البقرة 143 .