ابن أبي الحديد

130

شرح نهج البلاغة

وقالت الحكماء هذا عبارة عن النفس الناطقة . فان قلت هل كان إبليس من الملائكة أم لا قلت قد اختلف في ذلك ، فمن جعله منهم احتج بالاستثناء ، ومن جعله من غيرهم احتج بقوله تعالى ( كان من الجن ) ، وجعل الاستثناء منقطعا ، وبان له نسلا وذرية ، قال تعالى ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) ، والملائكة لا نسل لهم ولا ذرية ، وبان أصله نار والملائكة أصلها نور ، وقد مر لنا كلام في هذا في أول الكتاب . قوله ( فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لأصله ) كانت خلقته أهون من خلقه آدم عليه السلام ، وكان أصله من نار واصل آدم عليه السلام من طين . فان قلت كيف حكم على إبليس بالكفر ، ولم يكن منه الا مخالفة الامر ، ومعلوم أن تارك الامر فاسق لا كافر قلت إنه اعتقد أن الله امره بالقبيح ولم ير امره بالسجود لآدم عليه السلام حكمة وامتنع من السجود تكبرا ، ورد على الله امره ، واستخف بمن أوجب الله إجلاله ، وظهر أن هذه المخالفة عن فساد عقيدة ، فكان كافرا . فان قلت هل كان كافرا في الأصل أم كان مؤمنا ثم كفر قلت اما المرجئة فأكثرهم يقول كان في الأصل كافرا ، لان المؤمن عندهم لا يجوز أن يكفر ، واما أصحابنا فلما كان هذا الأصل عندهم باطلا توقفوا في حال إبليس ، وجوزوا كلا الامرين .

--> ( 1 ) سورة الكهف 50 .