ابن أبي الحديد

128

شرح نهج البلاغة

الشرح : يجوز أن تسمى هذه الخطبة ( القاصعة ) من قولهم قصعت الناقة بجرتها ، وهو أن تردها إلى جوفها ، أو تخرجها من جوفها فتملأ فاها ، فلما كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مرددة من أولها إلى آخرها ، شبهها بالناقة التي تقصع الجرة . ويجوز أن تسمى القاصعة لأنها كالقاتلة لإبليس واتباعه من أهل العصبية ، من قولهم قصعت القملة ، إذا هشمتها وقتلتها . ويجوز أن تسمى القاصعة لان المستمع لها المعتبر بها يذهب كبره ونخوته فيكون من قولهم قصع الماء عطشه ، أي أذهبه وسكنه ، قال ذو الرمة بيتا في هذا المعنى : فانصاعت الحقب لم تقصع صرائرها وقد تشح فلا ري ولا هيم ( 1 ) . الصرائر جمع صريرة ، وهي العطش ، ويجوز أن تسمى القاصعة ، لأنها تتضمن تحقير إبليس واتباعه وتصغيرهم ، من قولهم قصعت الرجل إذا امتهنته وحقرته ، وغلام مقصوع ، أي قمئ لا يشب ولا يزداد . والعصبية على قسمين عصبية في الله وهي محمودة ، وعصبية في الباطل وهي مذمومة ; وهي التي نهى أمير المؤمنين عليه السلام عنها ، وكذلك الحمية وجاء في الخبر ( العصبية في الله تورث الجنة ، والعصبية في الشيطان تورث النار ) . وجاء في الخبر ( العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما قصمته ) ; وهذا معنى قوله عليه السلام ( اختارهما لنفسه دون خلقه . . . ) إلى آخر قوله ( من عباده ) . قال عليه السلام ( ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ) مع علمه بمضمراتهم ; وذلك لان اختباره سبحانه ليس ليعلم ، بل ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع وعصيان من يعصى ، وكذلك ، قوله سبحانه ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع

--> ( 1 ) ديوانه 588 . انصاعت : ذهبت هاربة . والحقب : الحمر الوحشية . وروايته : ( وقد نشحن ) .