ابن أبي الحديد

118

شرح نهج البلاغة

قوله عليه السلام ( مبدع الخلائق بعلمه ) ، ليس يريد أن العلم علة في الابداع ، كما تقول هوى الحجر بثقله ، بل المراد : أبدع الخلق وهو عالم ، كما تقول خرج زيد بسلاحه ، أي خرج متسلحا ، فموضع الجار والمجرور على هذا نصب بالحالية ، وكذلك القول في ( ومنشئهم بحكمه ) والحكم هاهنا الحكمة . ومنه قوله عليه السلام ( إن من الشعر لحكمة ) . قوله ( بلا اقتداء ولا تعليم ولا احتذاء ) قد تكرر منه عليه السلام أمثاله مرارا . قوله ( ولا إصابة خطأ ) تحته معنى لطيف ، وذلك لان المتكلمين يوردون على أنفسهم سؤالا في باب كونه عالما بكل معلوم إذا استدلوا على ذلك فإنه علم بعض الأشياء لا من طريق أصلا ، لا من إحساس ولا من نظر واستدلال ، فوجب أن يعلم سائرها ، لأنه لا مخصص ، فقالوا لأنفسهم لم زعمتم ذلك ولم لا يجوز أن يكون فعل أفعاله مضطربة ، فلما أدركها علم كيفية صنعها بطريق كونه مدركا لها فأحكمها بعد اختلالها واضطرابها وأجابوا عن ذلك بأنه لا بد أن يكون قبل أن فعلها عالما بمفرداتها من غير احساس ، ويكفي ذلك في كونه عالما بما لم يتطرق إليه ، ثم يعود الاستدلال المذكور أولا . قوله عليه السلام ( ولا حضره ملأ ) ، الملا الجماعة من الناس وفيه معنى قوله تعالى ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) ( 1 ) . قوله ( يضربون في غمرة ) ، أي يسيرون في جهل وضلالة ، والضرب السير السريع . والحين الهلاك والرين الذنب على الذنب حتى يسود القلب ، وقيل الرين

--> ( 1 ) سورة الكهف 51 .