ابن أبي الحديد

119

شرح نهج البلاغة

الطبع والدنس ، يقال ران على قلبه ذنبه ، يرين رينا ، أي دنسه ووسخه ، واستغلقت أقفال الرين على قلوبهم تعسر فتحها . قوله ( فإنها حق الله عليكم والموجبة على الله حقكم ) يريد انها واجبة عليكم ، فان فعلتموها وجب على الله أن يجازيكم عنها بالثواب ، وهذا تصريح بمذهب المعتزلة في العدل ، وان من الأشياء ما يجب على الله تعالى من باب الحكمة . قوله ( وان تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله ) ، يريدا وصيكم بان تستعينوا بالله على التقوى بان تدعوه وتبتهلوا إليه أن يعينكم عليها ، ويوفقكم لها وييسرها ويقوى دواعيكم إلى القيام بها ، وأوصيكم أن تستعينوا بالتقوى على لقاء الله ومحاكمته وحسابه ، فإنه تعالى يوم البعث والحساب كالحاكم بين المتخاصمين ( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها ) ( 1 ) فالسعيد من استعان على ذلك الحساب وتلك الحكومة والخصومة بالتقوى في دار التكليف ، فإنها نعم المعونة ( وتزودوا فان خير الزاد التقوى ) . والجنة ما يستتر به . قوله ( ومستودعها حافظ ) ، يعنى الله سبحانه ، لأنه مستودع الأعمال ، ويدل عليه قوله تعالى ( انا لا نضيع اجر من أحسن عملا ) ( 2 ) وليس ما قاله الراوندي من أنه أراد بالمستودع قلب الانسان بشئ . قوله ( لم تبرح عارضة نفسها ) ، كلام فصيح لطيف ، يقول إن التقوى لم تزل عارضة نفسها على من سلف من القرون ، فقبلها القليل منهم ، شبهها بالمرأة العارضة نفسها نكاحا على قوم ، فرغب فيها من رغب ، وزهد من زهد ، وعلى الحقيقة ليست

--> ( 1 ) سورة الجاثية 28 . ( 2 ) سورة الكهف 30 .