ابن أبي الحديد

102

شرح نهج البلاغة

أحدها الايمان الحقيقي ، وهو الثابت المستقر في القلوب بالبرهان اليقيني . الثاني ما ليس ثابتا بالبرهان اليقيني بل بالدليل الجدلي ، كإيمان كثير ممن لم يحقق العلوم العقلية ، ويعتقد ما يعتقده عن أقيسة جدلية لا تبلغ إلى درجة البرهان ، وقد سمى عليه السلام هذا القسم باسم مفرد ، فقال إنه عواري في القلوب ، والعواري جمع عارية أي هو وإن كان في القلب وفي محل الايمان الحقيقي الا أن حكمه حكم العارية في البيت ، فإنها بعرضة الخروج منه ، لأنها ليست أصلية كائنة في بيت صاحبها . والثالث ما ليس مستندا إلى برهان ولا إلى قياس جدلي ، بل على سبيل التقليد وحسن الظن بالأسلاف ، وبمن يحسن ظن الانسان فيه من عابد أو زاهد أو ذي ورع ، وقد جعله عليه السلام عواري بين القلوب والصدور لأنه دون الثاني ، فلم يجعله حالا في القلب ، وجعله مع كونه عارية حالا بين القلب والصدر . فيكون أضعف مما قبله . فان قلت فما معنى قوله ( إلى اجل معلوم ) ؟ قلت إنه يرجع إلى القسمين الأخيرين ; لان من لا يكون ايمانه ثابتا بالبرهان القطعي قد ينتقل ايمانه إلى أن يصير قطعيا ، بان ينعم النظر ويرتب البرهان ترتيبا مخصوصا ، فينتج له النتيجة اليقينية ، وقد يصير ايمان المقلد ايمانا جدليا فيرتقى إلى ما فوقه مرتبته ، وقد يصير ايمان الجدلي ايمانا تقليديا بان يضعف في نظره ذلك القياس الجدلي ، ولا يكون عالما بالبرهان ، فيؤول حال ايمانه إلى أن يصير تقليديا ، فهذا هو فائدة قوله ( إلى اجل معلوم ) في هذين القسمين . فاما صاحب القسم الأول فلا يمكن أن يكون ايمانه إلى اجل معلوم ، لان من ظفر بالبرهان استحال أن ينتقل عن اعتقاده ، لا صاعدا ولا هابطا ، اما لا صاعدا ، فلأنه ليس فوق البرهان مقام آخر ، واما لا هابطا ، فلان مادة البرهان هي المقدمات البديهية