ابن أبي الحديد

103

شرح نهج البلاغة

والمقدمات البديهية يستحيل أن تضعف عند الانسان حتى يصير ايمانه جدليا أو تقليديا . وثانيها قوله عليه السلام ( فإذا كانت لكم براءة ) ، فنقول انه عليه السلام نهى عن البراءة من أحد ما دام حيا ، لأنه وإن كان مخطئا في اعتقاده ، لكن يجوز أن يعتقد الحق فيما بعد ، وإن كان مخطئا في أفعاله ، لكن يجوز أن يتوب . فلا تحل البراءة من أحد حتى يموت على أمر ; فإذا مات على اعتقاد قبيح أو فعل قبيح جازت البراءة منه ، لأنه لم يبق له بعد الموت حاله تنتظر ; وينبغي أن تحمل هذه البراءة التي أشار إليها عليه السلام على البراءة المطلقة ، لا على كل براءة ، لأنا يجوز لنا أن نبرأ من الفاسق وهو حي ، ومن الكافر وهو حي ، لكن بشرط كونه فاسقا ، وبشرط كونه كافرا ، فاما من مات ونعلم ما مات عليه فانا نبرأ منه براءة مطلقة غير مشروطة . وثالثها قوله ( والهجرة قائمة على حدها الأول ) ، فنقول هذا كلام يختص به أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو من اسرار الوصية ، لان الناس يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا ( هجرة بعد الفتح ) ، فشفع عمه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعي أن يستثنيه ، فاستثناه وهذه الهجرة التي يشير إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك الهجرة ، بل هي الهجرة إلى الامام ، قال إنها قائمة على حدها الأول ما دام التكليف باقيا ، وهو معنى قوله ( ما كان لله تعالى في أهل الأرض حاجة ) . وقال الراوندي ما هاهنا نافيه ، أي لم يكن لله في أهل الأرض من حاجة ، وهذا ليس بصحيح ، لأنه ادخال كلام منقطع بين كلامين متصل أحدهما بالآخر . ثم ذكر انه لا يصح أن يعد الانسان من المهاجرين الا بمعرفة امام زمانه ، وهو