فوزي آل سيف

56

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

في هذا العصر بل في عصور سبقت كان لديهم الحكم وصاروا رؤساء دول ! ومع ذلك بقوا متمسكين بقضية الإمام المهدي؟ بل ربما زاد حضور القضية المهدوية في تلك الفترات مثل فترة حكم الدولة الصفوبة ! لقد حكم شيعة أهل البيت مناطق كبيرة أو صغيرة من العالم الاسلامي في فترات تاريخية متعددة وامتد بعضها قرونا ، فلو راجعت تاريخ الاسلام[145] ، لوجدت فيه الدولة البويهية ودولة الأدارسة والحمدانيين والفاطميين وغيرها إلى زمان الدولة الصفوية .. فلماذا لم يتخل هؤلاء عن الاعتقاد بالإمام المهدي إذا كان ذلك الاعتقاد ناتجا عن الاحباط السياسي ؟ وأما القسم الثاني من كلامه: أن الشيعة يرغبون في التغيير الكلي الفوري ولا يتبعون السنن الطبيعية، يريدون بضغطة زر ويتغير العالم ... هذا به مجافاة للواقع، وغير صحيح. بل إن الذين يتحدثون عن النهضة المهدوية يتحدثون عن عمل جاد، عن حركة طويلة تعتمد على ان الخير لا ينتشر إلا من حيث انتشر الشر اي ان الارض كما ملئت، و(كما) فيها إشارة إلى الطريقة كما جاء في احد تفاسيرها. ما هي الطريقة التي ملئت بها الأرض ظلماً وجوراً ؟ بوجود طواغيت السياسة والمال والأفكار الفاسدة ، والاعلام المضلل ، فإذا وجد في مقابل ذلك إعلام نظيف وواع ، وصار المال في خدمة الخير والأهداف العالية دون الشهوات والعبث ، وصار المتقدمون في المجتمع أهل التقوى والمعرفة والصالحون دون أهل الفساد والقوة العاتية ، عندئذ سيتم امتلاء الأرض عدلا وإنصافا ، وسيعم الخير . إن من يراجع الكتب المؤلفة[146] في يوم الظهور ويقرأ الروايات الواردة في خريطة الحركة المهدوية لا يرى أثرا لما ذكره ذلك الداعية من التغيير اللحظي والفوري الذي يحصل بعد ظهور الامام المهدي ، بل يرى استعدادات ، وحروبا عسكرية ومقاومة شرسة لخطوط الضلال واستخدام لمعطيات العلم والتقنية حيث يتطور العلم في زمانه تطورا كبيرا ، ويكون ما لدى المهدي من العلم عشرات أضعاف ما هو متاح للناس ، ولم يقل أحد بأن القضية تغيير فوري بضغطة زر . إذن .. هذا الكلام بأن إيمان الشيعة بالعقيدة المهدوية ناشئ من الحرمان السياسي أو على أثر رغبة في التغيير الفوري ..لا يعتمد على قاعدة علمية. فوق هذا نسأله: ما هو منهجك في معالجة قضية الإمام المهدي ؟ نحن نعلم أن هذا الداعية ينتمي إلى المدرسة السلفية الخبرية..وهنا نسأله: إذا كان مسلكك خبريا ؟ فماذا تصنع بهذه الأخبار المتضافرة الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله في أصل القضية ولزوم الاعتقاد بها ؟ يبقى أمر الاعتقاد بولادته ووجوده ، وهذه قد أقام الشيعة عليها أدلتهم[147] ، ولك أن تقبلها أو تردها ! أما الإحالة إلى مثل الشعور بالاحباط السياسي من الأوضاع القائمة أو ما شابه لتفسير اعتقاد الشيعة بالامام المهدي ، فهذا ليس سليما ! المهدوية بين التواتر وحساب الاحتمالات:

--> 145 ) حتى ليعد القرن الرابع إلى الخامس هو قرن الدول الشيعية في العالم الاسلامي ، وللتفصيل يمكن مراجعة كتاب (دول الشيعة في التاريخ ) للمرحوم العلامة الشيخ محمد جواد مغنية . 146 ) للتفصيل يمكن مراجعة كتاب ( ما بعد الظهور ) للمرحوم الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر. 147 ) ذكرناها في موضوع آخر ، وملخص بعضها : أنه بعدما تحدد من خلال مجموع الأحاديث الواردة أن المهدي ( من قريش ) وأنه ( من بني هاشم ) و( من ولد الحسين ) وأنه ( التاسع منهم ) فلا بد أن ينتج هذا أنه قد ولد فعلا وإلا فلا يمكن أن يكون التاسع بعد وجوده بآلاف السنين ! ومنها أن مقتضى التقارن بين الكتاب والعترة وأن لا يفترقان حتى يردا الحوض ؛ هو أن يكون إمام معصوم من العترة موجودا في كل زمان ، فلو خلي زماننا منه لافترقا ، فيتعين أن يكون موجودا وحيا .. هذا فضلا عن شهادات النسابة وأهل المعرفة بها ممن حكموا بولادته لأبيه العسكري ..وغيرها من الأدلة التي أقيمت .