فوزي آل سيف

57

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

نأتي هنا إلى طريقة أخرى اشار إليها[148] الشيخ محمد باقر الايرواني حفظه الله وهو من تلاميذ الشهيد السيد محمد باقر الصدر.. وهي طريقة حساب الاحتمال . الشهيد الصدر لديه نظرية تسمى حساب الاحتمال وتجميع القرائن، تحدث عنها في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء ونقلها للاستفادة منها إلى أكثر من مجال . فمن ذلك ما صنعه تلميذه الايراواني حيث نقل النظرية إلى بحث قضية الأمام المهدي عجل الله فرجه واستفاد منها في الاستدلال .ونشير إليه بشكل مختصر ، فهو يقول لاثبات القضايا التاريخية يمكن أن نسلك طريقين : التواتر وحساب الاحتمال . في التواتر؛ على فرض وجود أخبار متواترة في قضية من القضايا ، لا يصح أن يتم المناقشة في سند الأخبار ونقدها باعتبار أن في هذا الخبر مجهولا أو في ذاك ضعيفا ، لأن المناقشة تلك إنما تصح فيما إذا لم يكن هناك تواتر ، ولا علم بالتالي فنحن نريد أن نتعبد بالخبر وإن لم يكن يحصل لنا علم ، فهنا محل النقاش في أخبار الآحاد وشبهها . وأما مع فرض التواتر فقد حصل العلم ، وحينها لا معنى للبحث السندي في كل خبر! ومع النظر إلى كثرة ما جاء من أخبار المهدي من طرق السنة والشيعة لا محيص من الاقرار بالتواتر.وحتى لو اختلفت خصوصيات تلك الأخبار وتفاصيلها فإنها في القدر المشترك بينها تكون يقينية . والطريق الآخر هو حساب الاحتمال ، وهو يصنع لنا يقينا تصاعديا بمقدار ما تتراجع احتمالات الخلاف مثال: ان فلان لو كان مريضاً فأتى شخص وأخبر عن شفائه فهذا يصنع لنا علما مثلا بمقدار ٣٠٪ ويبقى مقدار ٧٠٪ في دائرة الشك والاحتمال المخالف ، فإذا علمنا أنه ترك أخذ الدواء فهذا يرفع من احتمال الشفاء بنسبة 70% ويبقى مثلا 30% فإذا رأينا جماعة يدخلون بيته لتهنئته بالشفاء فهذا يرفع النسبة إلى 90% وينخفض الاحتمال المخالف إلى 10% فإذا رأيناه قد ذهب إلى العمل في اليوم الثاني فإن النسبة الموافقة ترتفع والمخالفة تنخفض إلى أن يحصل اليقين عندنا بشفائه .. وفي قضية الامام المهدي كبحث تاريخي نرى الأمر هكذا ، فنلاحظ أن لدينا روايات عن النبي محمد صلى الله عليه واله، تتحدث عن الامام المهدي وانه من ولد الحسين ومن قريش، يمكن تشكك في رواية احدهم وفي وضوح اخرى، لكن في الجملة تصنع لدينا احتمال ٣٠ ٪ ، ثم نأتي ونرى ان هناك مثلا ٢٠٠ حديث عن سائر الأئمة عليهم السلام مختلفة التعبيرات ، وتتحدث عن تفاصيل متعددة مثل أنه من ولد الحسين ، وأن له غيبتين ، وأن الناس سيكونون على طوائف في هذه الغيبة ، وأن الدعاء بكذا عبارات مستحب في زمان غيبته ، وأن فيه من سنن الأنبياء كذا وكذا ، ثم نأتي إلى كتب التاريخ ونرى فيها مثلاً أن الحكام العباسيين كانوا يترقبون الإمام المهدي، ولذلك عينوا مراقبين، فتشوا بيت الإمام العسكري، هذه تضيف لنا احتمالات جديدة في اليقين وتقلل نسبة الشك، ثم نذهب ونرى في حياة الامام العسكري أنه عليه السلام اطعم الطعام وأراه الى ٤٠ شخصا من اصحابه الخلص .. ثم في حياة المهدي نفسه أنه كتب مكاتيب وتواقيع وعين سفراء جاءت أجوبته منسجمة مع ما عهد في خط الإمامة فبهذه القرائن السابقة يتشكل لدينا يقين تام بأن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف قد ولد بالفعل. هذا لمن لا ينتهج منهج الأخبار والاعتماد عليها. يبقى ما قاله في موضوع الانتظار: من أن الشيعة لأنهم ينتظرون مهدي اخر الزمان عطلوا الجهاد والحدود وصلوات الجمعة ولا يفعلون شيئا سوى الانتظار. وجوابنا: هو بسؤال فكل منا ينتظر طلوع الشمس غداً ولكن هل يبقى هذه الليلة في الظلام أو يرتب أوضاعه وأموره؟ لا ريب أنه يضيء بيته لكي يعيش هذه الليلة في الضياء وينجز مهامه ولا يقبل منه أن يقول لأن الشمس غدا سوف تشرق، فأنا أبيت في الظلام الآن ولا أفعل شيئا.. شيعة أهل البيت هكذا،

--> 148 ) في رسالة بعنوان : الامام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال نشرها مركز الأبحاث العقائدية .