فوزي آل سيف

52

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

ومن الافكار التي قد تستتبع ممارسة خاطئة : الإغراق في الحديث عن علامات ظهور[137] الإمام الحجة عجل الله فرجه .. ولا ريب أن هناك علامات ، وارهاصات تشير إلى زمان ظهور الامام عليه السلام وخروجه ، والاعتقاد بها يشكل جزءا من ثقافة الانتظار والاعتقاد بالمهدي ، لكننا نلاحظ أن هناك مبالغة واغراقا من بعض فئات المؤمنين في هذا الأمر ورصده وتوقعه. ومنذ أربعة عقود من الزمان تقريبا يوجد الكثير من الكتب والمقالات والكلمات و المحاضرات ، كلها تدور ضمن هذا الفلك ، والغريب أن هذا يحصل في الطائفتين المسلمتين . ففي أفق مدرسة الخلفاء يكثر الحديث عن علامات وأشراط الساعة الكبرى ومنها ظهور المهدي ، وقيام الدجال والخسف ، وعند الشيعة كتبت كتب متخصصة في هذا وبعضهم حدد وقت الخروج ـ ولو بشكل تقريبي ـ فلا يكاد حدث يحصل إلا ووجد له من روايات الملاحم ما يناسبها ، فإذا ظهرت داعش فهناك ما يناسبها ، وتستدعى روايات السفياني وتطبق على زعماء داعش .. وإذا حصل ما سمي بالربيع العربي فقد ( خلعت العرب أزمتها )! وإذا توفي أحد الزعماء ف( من يضمن لي موت فلان أضمن له القائم ). ضمن هذه الموجه صدرت كتب مثل ( الجزيرة الخضراء )، ( بيان الأئمة ) وفي هذا الثاني اعتبر مؤلفه أن من علامات الظهور أن آخر مرجع في النجف هو السيد الخوئي وبعد لا يكون مجتهد مقلد غيره !! ومن الواضح أن الأحداث الحاصلة بعد وفاة المرحوم السيد الخوئي قد كذبت هذا الخبر ! وكم في الكتاب من أمثال ذلك![138] ـ هنا لا بد أن نشير إلى أنه لا يوجد دليل على أن تطبيق هذا العالم ، الحديث الفلاني على الحدث الفلاني الذي نشاهده هو صحيح ، فما دامت الأحاديث خالية من التواريخ الدقيقة ، والاسماء المفصلة فبالامكان أن يأتي شخص قبل خمسمائة سنة [139]ويفسر تلك الأحاديث بمقتضى الأحداث التي جرت في زمانه! لا سيما وأن بعضها يشير إلى دولة بني العباس مثلا ! وبالامكان أن يأتي شخص بعده بألف سنة ويفسر تلك الأحاديث ويطبقها على الأحداث المعاصرة له ! ما الذي يجعل تفسيري أنا أولى من تفسيره أو تفسيره أولى من تفسيري ؟ ثم أن من مشاكل هذه التفاسير إنها ستنتهي إلى نحو من الأنحاء لتوقيت خروج الإمام والذي هو في دائرة المنع والنهي. ومن الثابت عند الشيعة أن التوقيت[140] التحقيقي ، بل حتى التقريبي هو منهي عنه وغير مرغوب فيه . بل إن من الأخطار لتطبيق الأحداث على علامات الظهور ، التخوف ان يسري التشكيك إلى أصل القضية المهدوية عند تخلف تلك العلامات او تفسيرها ، فإذا قيل ان العالم الفلاني لن يموت حتى يسلم الراية إلى المهدي، أو أن فلانا من لدى القائلين من أخبار بهذا النحو ! ربما يسري الاعتقاد عند بعض الأتباع والشباب بخطأ هذه الكلمات إلى تخطئة أصل القضية المهدوية ، وأنه ربما تكون قضايا الغيبة والعصمة والظهور .. كلها من هذا القبيل . ولا ريب أن في ذلك خطورة كبيرة على عقيدة الناس ! ومن أخطار تلك التفسيرات التخوف من فسح المجال لأهل الشهوات والأهواء والمتسلقين حتى يستفيدوا من هذه الفرصة . فإن من مصلحة أهل الأهواء وأصحاب الدعوات الكاذبة انشغال الناس بهذه العلامات وتفسيرها على أننا في زمانها فيقوم هؤلاء بادعاء أنهم من شخصيات ذلك الزمان ، فهذا يدعي أنه اليماني ، وذاك يصر على أنه الحسني وهكذا ! وفي ظل وجود الاحباط وتراكم المشاكل قد يصدق بهؤلاء مجاميع من الناس كما نجد في عصرنا الحاضر في بعض المجتمعات الشيعية .

--> 137 ) علامات الظهور هي : عبارة عن إشارات تحدثت عنها روايات المعصومين عليهم السلام ، وقد قسمتها إلى ما هو حتمي وما هو غير حتمي ، ومن ذلك ما نقله الشيخ الصدوق في كمال الدين / 678 مما روي عن الامام الصادق (ع): قبل قيام القائم خمس علامات محتومات اليماني ، والسفياني ، والصيحة ، وقتل النفس الزكية ، والخسف بالبيداء .. وقد تكون هذه الرواية أحسن ما في الباب متنا ، ولكن في سندها عمر بن حنظلة وفيه نقاش وكلام بين الأعلام بين من يقبل روايته وبين من لا يرى له توثيقا. 138 ) للتفصيل يمكن مراجعة الكتاب الناقد للكتاب المذكور الذي ألفه المرحوم السيد جعفر مرتضى العاملي بعنوان ( بيان الأئمة وخطبة البيان في الميزان ). وقد نقل القول المذكور عنه في ص 34 139 ) لقد كتب السيد ابن طاووس الحسني رضوان الله عليه ( ت 664 هـ ) إلى ابنه السيد محمد أنه يتوقع أن يكون مدركا لزمان الامام ، باعتبار أن أوان تلك الشموس قد ظهر، فقد جاء في كتابه كشف المحجة لثمرة المهجة 1/ 154 ما نصه : ( واعلم يا ولدي محمد كمل الله جل جلاله بلقائه سعادتك وشرف ببقائه وحسن إرادته منزلتك وخاتمتك أنني لولا آية في كتاب الله المقدس (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) لكنت قد عرفتك ووثقتك أنني أدرك أيام ظهوره الكامل وأدخل تحت ظله الشامل فهذا أوان ظهور تلك الشموس وزوال الضر والبؤس إنشاء الله فإن تمم الله جل جلاله لي ما أؤمله من هذه الآمال فقد كمل لي تحف الشرف والاقبال وإن أراد انتقالي فالامر إليه جل جلاله وله جل جلاله في تدبير آمالي ) .. 140 ) في الكافي 1/ 368 روايات متعددة ، منها حينما سأل الفضيل بن يسار الامام أبا جعفر الباقر عليه السلام : لهذا الامر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون! . وعندما سأل مهزم كذلك الإمام أبا عبد الله الصادق عليه السلام : جعلت فداك أخبرني عن هذا الامر الذي ننتظر، متى هو؟ فقال: يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلّمون.