فوزي آل سيف

50

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

لقد أحسن أبو سهل النوبختي وكان صاحب شخصية مهمة عند الشيعة ـ كما نقل عنه الشيخ الطوسي ـ عندما سخر بالحلاج عند ادعائه الوكالة لصاحب الزمان ، وهو بذلك يقدم لمن بعدهم برنامجا في الاحتجاج واكتشاف الكاذب : " لما أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاج ويظهر فضيحته ويخزيه، وقع له أن أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي (رض) ممن تجوز عليه مخرقته وتتم عليه حيلته، فوجه إليه يستدعيه وظن أن أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الامر بفرط جهله، وقدر أن يستجره إليه فيتمخرق (به) ويتسوف بانقياده على غيره، فيستتب له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة، لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحله من العلم والأدب أيضا عندهم، ويقول له في مراسلته إياه: إني وكيل صاحب الزمان عليه السلام - وبهذا أولا كان يستجر الجهال ثم يعلو منه إلى غيره - وقد أمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوي نفسك، ولا ترتاب بهذا الامر. فأرسل إليه أبو سهل رضي الله عنه يقول له: إني أسألك أمرا يسيرا يخف مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن(!!)، ولي منهن عدة أتحظاهن والشيب يبعدني عنهن [ويبغضني إليهن] وأحتاج أن أخضبه في كل جمعة، وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك، وإلا انكشف أمري عندهن، فصار القرب بعدا والوصال هجرا، وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإني طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداع إلى مذهبك، مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة. فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه علم أنه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يرد إليه جوابا، ولم يرسل إليه رسولا، وصيره أبو سهل رضي الله عنه أحدوثة وضحكة ويطنز به عند كل أحد ، وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سببا لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه.[133] مسائل مهمة في القضية المهدوية تتميز قضية الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف بأنها ذات أهمية قصوى بالنسبة للإنسان المسلم، لجهات : أولى هذه الجهات أنها قضية عقدية ، ويتعامل الناس مع القضايا العقدية بأهمية فائقة نظراً لأن عقيدة الإنسان تحدد مصيره في الحياة وفي العالم الآخر . ومما يقرب أهمية القضايا العقدية في الحياة الدنيوية أنك ترى الحوار بين الأديان يتناول عادة القضايا العقائدية دون القضايا الفقهية او التاريخية فنادراً يحدث أن يبحث المسلمون مع المسيحيين في حرمة لحم الخنزير او في حرمة شرب الخمر ولكن يتم النقاش في قضايا عقائدية مثل إبطال التثليث في العقيدة المسيحية ، بل حتى في داخل الاطار الديني الواحد تحظى القضايا العقائدية بالاهتمام الأكبر ، فترى النقاش مثلا بين المسلمين في مسائل العقيدة مثل قضايا الامامة والخلافة أكثر مما يناقشون مسائل الفقه كالقصر والتمام والوقت في الصلاة .. الجهة الاخرى أنها ليست قضية اسلامية فقط بل هي قضية كونية تتجاوز حدود الدين الإسلامي وأتباعه ، من السنة والشيعة فاليهود والمسيحيون[134] يعتقدون بالمهدي ضمن فكرة المنقذ المخلص، بل يتحدث العارفون بالثقافة الزرادشتية عن وجود نصوص في كتابهم تشير إلى مصلح يأتي في آخر الزمان ، وهكذا الحال بالنسبة إلى البوذيين فيما نقل عنهم ..

--> 133 ) الغيبة - الشيخ الطوسي - ج ١ - الصفحة ٤٢٣ 134 ) العجيب ان بعض الكتاب رأى في هذه الميزة الاستثنائية التي تدل على أن هذه العقيدة هي من نقاط الاشتراك بين الديانات التوحيدية بل غيرها وأنها قضية ينتهي إليها العقل السليم . رأى أن هذا يعني أن الشيعة الاثني عشرية قد ( استوردوا) هذه العقيدة من ديانات أخر!! غافلا ـ أو متغافلا ـ عن أن الأحاديث في قضية المهدي أكثر من أن ترد ، وما فعله بعضهم كابن خلدون من رد أحاديث المهدي بضعفها فقد رد عليه صغرويا بأن قسما منها صحيح ، وأن قوله ذلك ناشئ من عدم تخصصه ، على أن الأخبار بلغت درجة التواتر ولو ـ الاجمالي أو المعنوي ـ ومعه لا معنى للبحث في أسانيد كل خبر بمفرده . وقد كفى المؤونة الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند وتعليقه عليه حيث قال: أمّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم واقتحم قحماً لم يكن من رجاله .. وانّه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدّمته للمهدي تهافتاً عجيباً وغلط أغلاطاً واضحة ...وانّه لم يحسن قول المحدّثين الجرح مقدّم على التعديل ولو اطّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال .