فوزي آل سيف

46

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

لكن اتباع الناس له ومسايرتهم إياه ، ونصرهم حركته تشير إلى أن عقيدة المهدي وانتظار الناس له مركوز في وجدان المسلمين، في غرب العالم الاسلامي مثلما هو في شرقه . 5/ وأما السودان فقد شهدت ظهور محمد المهدي بن عبد الله السوداني ( ت 1302)، وقد كان معروفا بالتصوف ومتأثرا إلى حد كبير برجال التصوف والعرفان ، كما ينقل عنه بقاؤه في الخلاوي الصوفية. وكان يتحسس من المنكرات والمخالفات للدين ، كما قالوا إلى أن التقى بشخص ـ سيكون فيما بعد خليفته ـ واسمه عبد الله التعايشي ، الذي قال له بأنه رأى في المنام أن النبي صلى الله عليه وآله يشير إلى محمد هذا بأنه المهدي ( ملاحظة : أن الاعتماد على الرؤى والأحلام عنصر مشترك بين الدعوات المهدوية ) وأنه هو الذي ستصلح به الأرض ! وقد صدق محمد بن عبد الله ( المهدي ) هذا، وبدأ يتصرف على هذا الأساس ، ولأن الانسان إذا فكر في أمر من الأمور واهتم به ، يكون حاضرا في وعيه ولا وعيه ، فكثرت أحلامه أيضا بهذا . كان مما قوى دعوة ( المهدي السوداني ) من جهة أنه كان يأخذ نفسه بالزهد ، والالتزام المشدد بأحكام الدين من جهة ، وينسب في ذات الوقت إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أخرى .. وبهذا المعنى فقد كان يقنع الناس من خلال سلوكه الشخصي ، ومن جهة اخرى بانطباق بعض أوصاف المهدي مثل أنه من ذرية النبي ومن أبناء فاطمة ( ما دام من أحفاد الحسن بن علي )، وقد ادعى صراحة أنه المهدي ، وأنه يجتمع مع الحضرة النبوية ، وما شابه ذلك ، وينقل بعض الكتاب ذلك عن وثائق ورسائل تلك الدعوة ، فقد جاء فيها : " واعلمني النبي بأني المهدي المنتظر وخلفني بالجلوس على كرسيه مراراً بحضرة الخلفاء والأقطاب والخضر وجمع من الأولياء الميتين وبعض من الفقراء الذين لا يعبأ بهم، وقلدني سيفه وأيدني بالملائكة العشرة الكرام وان يصحبني عزرائيل دائما، ففي ساحة الحرب امام جيشي وفي غيره يكون ورائيا، وأن يصحبني الخضر دايما ويكون أمامنا سيد الوجود وخلفاؤه الأربعة والأقطاب الأربعة وستين ألف ولي من الأموات"[127]وقد واجه عسكريا الجيش المصري ـ التركي الذي كان مسيطرا على السودان حينها ، ثم اصطدم مع الجيش البريطاني ، وبعد حوالي 15 سنة من اعلانه حركته ومهدويته توفي واستخلف على الحركة تلك، عبد الله التعايشي الذي كان قد أخبره بأنه رأى النبي يشير إليه بأنه المهدي! 6/ وفي الحجاز مع بداية القرن الخامس عشر الهجري ، شهد العالم حدثا متميزا ارتبط بدعوى المهدوية ، حيث قام حوالي 200 شخص كما قيل من الجماعة السلفية المحتسبة ، بقيادة جهيمان العتيبي بالدخول إلى الحرم المكي ، وأعلنوا سيطرتهم عليه بقوة السلاح الذي أدخلوه في توابيت جنائز بزعم أنه يراد الصلاة عليها ، وقيل إن جهيمانا قدم زوج أخته محمد بن عبد الله القحطاني باعتبار أنه المهدي الذي تحدثت عنه الروايات ، وأن الكثير قد رأوا رؤى وأحلاما تفيد هذا المعنى وأن أشراط الساعة قد حضرت والمنكر فشا، وبعد مواجهات مع الحكومة السعودية ، تم القضاء أولا على القحطاني مما كان له أكبر الأثر كما يقول محللون[128] على تضعضع جماعته، إذ المفروض أن المهدي يبقى على قيد الحياة ويتحقق الانتصار وهو موجود ليقيم العدل. 7/ وأما في العراق.. فقد صرح أحد العلماء الباحثين في الموضوع المهدوي ، بأنه لاحظ أن انبثاق سبع حركات مهدوية كاذبة خلال عشرين سنة!! وهذا يعني أنه بمعدل حركة كاذبة في كل ثلاث سنوات ! لعل أخطرها ما سمي حينها بـ ( جند السماء ) التي حاولت في سنة 2007 م أن تهاجم مدينة النجف عسكريا في ظل تلك الفوضى الضاربة في العراق ، وأن تحتل حرم الامام علي عليه السلام وتقضي على المرجعية الدينية! باعتبار أن المرجعية كما يزعمون ضد الامام المهدي!

--> 127 ) في مقال ينقل كاتبه عن منشورات المهدية، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل بيروت 1979 128 ) نشر موقع هيئة الإذاعة البريطانية bbc على الانترنت تحقيقا يتضمن مقابلات مع بعض من بقي على قيد الحياة منهم او من المقربين منهم ، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-40574360