فوزي آل سيف
22
الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة
أيامه لكان قد قتله لحينه! فمع كون النبي مع عدوه في مكان واحد، يراه ويحادثه إلا أن عنوانه كان غائبا عن فرعون. إلى أن صرح برسالته، وطلب منه أن يرسل معه بني اسرائيل وأن لا يضطهدهم! هنا استجمع فرعون كل تاريخه مع موسى، وقال مستغربا: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ).[76] وإن الغيبة العنوانية في قصة نبي الله يوسف قد تحققت حتى بالنسبة لإخوانه العشرة الذين ظلوا يترددون عليه، ويتعاملون معه ويقابلونه، وهم يظنون أنفسهم أمام (عزيز مصر ورئيس وزرائها) بينما هم في الواقع يتعاملون مع أخيهم وابن أبيهم وهو الذي رموه في بئر ليموت! إلى أن أذن الله له بأن يكشف عن شخصيته الحقيقية ويخرج من العنوان البديل إلى الشخصية الأصيلة، حينها سألوه: (أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ)؟(ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).[77] وقد عُدَّ من سنن الأنبياء التي تحققت في المهدي: سُنة الغَيبة. بل قد وجدنا نحوا من أنحاء الغيبة الاختيارية، والانقطاع عن الناس، وجدناها في حياة الأئمة المتأخرين (والد المهدي: الامام الحسن العسكري وجده الامام علي الهادي) وقد يكون ذلك بغرض تعويد أصحابهم على العمل ضمن إطار البصائر العامة ـ ولو لفترة مؤقتة ـ وعدم الاعتماد على الرجوع إلى الإمام الحاضر بشكل مستمر! ثانيا: إنه يذكر في مبررات تلك الغيبة تاريخيا، وصول العنف العباسي المعادي لأهل البيت عليهم والسلام إلى أقصى درجاته، والتخوف على حياة الامام المهدي من الاستئصال، والانهاء من قبل أعدائه الحاكمين. ولعل المقياس الذي لا تخطئه العين الناظرة، هو أعمار الأئمة السابقين للإمام عليه السلام وسبب شهادتهم، فلو قارنّا بين الامام الحسين عليه السلام أو ابنه السجاد، بل حتى مثل الامام الصادق.. وجدنا أعمارهم ـ مع أنهم قتلوا في ظروف مختلفة من قبل حاكميهم ـ تتراوح ما بين الثامنة والخمسين والثانية والستين، وأما عندما نأتي إلى الطرف الأخير من قائمة المعصومين عليهم السلام، سوف نجد أن الامام محمدا الجواد اغتيل بالسم وهو ابن 26 سنة !! والامام الحسن العسكري عمره 28 سنة!! وهذا يشير إلى مستوى مرتفع من العنف السلطوي، بحيث أنه لا يتحمل شخصية مسالمة، لم يعرف عنها معارضة سياسية فضلا عن العسكرية كالأئمة المذكورين!! فلم يكتفِ أولئك الحاكمون بالمراقبة، ولا بالعزل الاجتماعي، بل ولا بالسجن بالنسبة لبعض الأئمة وإنما وصلوا إلى إنهاء حياة الأئمة بقتلهم بالسم. ولذا يعتقد أنه لو سار الإمام المهدي سيرة آبائه من الظهور والتصدي العلني للأمور لكان ينتهي أمره كما انتهت إليه أمورهم! من هنا كانت الغيبة وعدم الظهور أمراً ضروريا ولازما. ثالثا : إن الغيبة العنوانية التي تحدثنا عنها، لم تكن تساوي انعدام الدور!! فقد كان الامام المهدي عجل الله فرجه قد مكث ما يقارب سبعين سنة في الغيبة الصغرى ، وكان فيها يمارس مهام الإمامة وإن كان من وراء حجاب وبغير ظهور مباشر. وقضية الادارة غير المباشرة بل المحتجبة، أصبحت اليوم مفهومة أكثر من أي وقت مضى ، فإن الشركات العملاقة، ودوائر المخابرات العظمى ، والحركات السياسية والعسكرية في العالم ، تدار بواسطة رؤساء غير ظاهرين ، وتحرك من خلال إدارات غائبة عن الظهور المباشر نعم هي تحتاج إلى بيئة اجتماعية متقدمة لا تربط قبول الشخص وقوة إدارته بكثرة ظهوره العلني ! وفي الحالة التي نحن فيها تم تعويد المجتمع الشيعي منذ أيام الامام علي الهادي على قيادة قد تختفي لبعض الوقت وتغيب أو تُغيَّب، ومارس الأئمة عليهم السلام في ذلك الوقت عبر وكلائهم ما سيحصل مستقبلا أثناء الغيبة الصغرى بل الكبرى للإمام المهدي.
--> 76 ) الشعراء 18 77 ) يوسف 90