فوزي آل سيف
23
الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة
ولم يتغير على شيعة أهل البيت شيء حتى الخط الذي كان يكتب به الأجوبة في زمان الإمام العسكري كان يخط به أيضا أجوبة الناس في زمان الإمام الحجة المهدي حتى لا يبقى أي نوع من أنواع الشك والترديد . رابعا : كان الامام المهدي في فترة الغيبة الصغرى حريصا على إزالة كل منفذ من منافذ الشك والترديد في أمره ، فقد كان يخرج على بعض أصحابه في أزمنة ومواضع يختارها ، ويظهر لهم شخصيته وربما أخبرهم بسبب زيارته لهم ، أو استقباله إياهم ، فقد أخرج الحر العاملي [78]بإسناده عن عيسى بن محمّد الجوهري في حديث أنه خرج إلى الحج و اعتلّ علّة فاشتهى السمك و التمر، و بلغه أن صاحب الزمان عليه السّلام ظهر بصاريا، فصار إليها فلما صلّى العشاء قال له خادم: ادخل فدخل القصر فإذا مائدة فأجلسه عليها، و قال له: مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك، فنظر فإذا سمك حار يفور وتمر ولبن، قال: فقلت في نفسي: عليل وسمك وتمر ولبن؟ فصاح بي يا عيسى أ تشكّ في أمرنا أو أنت أعلم بما ينفعك وما يضرك؟ فأكلت من الجميع و كلما رفعت يدي لم يتبيّن موضعها فيه، ووجدت أطيب ما ذقته في الدنيا فأكلت كثيرا حتى استحييت فصاح بي لا تستح يا عيسى فإنه من طعام الجنة، فأكلت فقلت: حسبي فصاح بي أقبل إليّ، فقلت في نفسي: لم أغسل يدي؟ فصاح بي: و هل لما أكلت غمر؟ فشممت يدي فإذا هي أعطر من المسك و الكافور، فدنوت منه فبدا لي نور غشى بصري . و رهبت حتى ظننت أن عقلي قد اختلط، فقال لي:يا عيسى! ما كان لك أن تراني لو لا المكذّبون القائلون أين هو؟ ومتى كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الذي خرج إليكم منه؟ وبأيّ شيء نبأكم؟ وأيّ معجز أتاكم؟ أما واللّه لقد دفعوا أمير المؤمنين مع ما رووه وقدّموا عليه، وكادوه وقتلوه، و كذلك فعلوا بآبائي عليهم السلام و لم يصدّقوهم، و نسبوهم الى السحرة و الكهنة و خدمة الجنّ إلى ما تبين... الى أن قال: يا عيسى فخبّر أولياءنا ما رأيت، و إيّاك أن تخبر عدوّنا فتسلبه فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات، فقال لي: ولو لم يثبّتك اللّه ما رأيتني، فامض بحاجتك راشدا، فخرجت و أنا أكثر حمدا للّه وشكرا. وكان هكذا في أيام غيبته الصغرى والأولى ، ومثل ذلك كثير في الغيبة الثانية والكبرى . ولا يتجلى الامام لأفراد معينين ، بل يكون في حياة المؤمنين ، ناظرا ومراقبا ومتحركا ، كما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في كمال الدين بسند معتبر عن محمد بن عثمان العمري ،النائب الثاني للإمام المهدي عليه السلام،أنه قال: (والله إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه). الأمر الثاني: ترافق زمان الغيبة الصغرى مع تكامل تنظيم التراث الحديثي المرتبط بالتشريع والعقائد في مدرسة أهل البيت ، وذلك بصدور كتاب الكافي[79] لثقة الاسلام الكليني (ت 329 هـ). وبإطلالة سريعة ـ ولبيان أهمية هذا الأمر ـ نشير إلى أن مما امتازت به مدرسة أهل البيت أنهم لم يتوقفوا عن تدوين الحديث وكتابته منذ أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله ، واستمر ذلك في
--> 78 ) إثبات الهداة 5/ 329 79 ) الكافي : لثقة الاسلام محمد بن يعقوب ؛ من أهم الكتب التي يعتمد عليها فقهاء الإمامية ومتكلموهم في الاستدلال ، جمع فيه حوالي 16 ألف حديث ( يختلف الرقم ببعض الاعتبارات التي أشرنا إليها في فصل عن الشيخ الكليني من كتابنا : من أعلام الإمامية) وهو بهذا العدد يكون حوالي أربعة أضعاف صحيح البخاري ومن حيث التقسيم العام فهو ينقسم إلى الأصول ؛ وفيه مباحث العلم والجهل ، ثم بحوث التوحيد وصفات الله وكيفية معرفته ، ثم مباحث الحجة وفيها أحاديث عن مقامات الحجج الالهية وصفاتهم وعلمهم ثم النصوص على الأئمة الاثني عشر وأبواب تواريخهم .. ومن أقسامه : الفروع يشتمل على الأحاديث الواردة في أبواب الفقه من عبادات ومعاملات ؛ وثالث الأقسام : الروضة وتشتمل على الخطب والوصايا والمواعظ الأخلاقية الهادفة إلى تزكية النفس ..