فوزي آل سيف

46

نساء حول أهل البيت

ومشكلة الناس أنهم يخلطون بين الثلاثة، فيساوون الأول بالأخير أو الثاني بالأخير، بينما {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا}([58]) البارزون في الزحام، والمتهالكون على الأسماء، والألوان، والذين لهم في كل عرس قرص، وفي كل موقف عملي لهم كلام كثير.. خديجة المباركة([59]) كانت من أجلى مصاديق القسم الأول، فهي بمقدار ما عملت وما أدراك ما عملت لم تكشف عن تلك الأعمال غطاء السر، ولم تتحدث عن نفسها ولا عن حب رسول الله صلى الله عليه وآله لها كما فعلت غيرها. خمسة وعشرون عاماً حافلة بالأحداث ومليئة بالقضايا، منها عشرة أعوام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله ، وخديجة معه في كل مواقفه، تؤيده وتدعمه، وتعطيه صفوة مالها.. كم كان هذا المال مباركا به ينعش الله فقراء المسلمين في ذلك الوقت الذي كان بعضهم لا يجد قوت وجبته، وبه يحرر العبيد المؤمنون الذين كانوا عرضة للهلاك تحت أيدي جلاديهم، ولم ينقل التاريخ لنا أن خديجة قد تكلمت يوما عن هذا الأمر، بينما نقل عن بعض المسلمين من (أهل الألوان والأصباغ) أنهم كانوا إذا فعلوا خيرا علقوه على رقابهم ومشوا به بين الناس وربما منّوا على من فعلوا لهم ذلك الخير!! ولهذا لم يكن غريبا أن تبقى ذكرى خديجة في قلب النبي صلى الله عليه وآله ، وذكر خديجة على لسانه، إلى ما بعد الهجرة أي بعد وفاتها بأكثر من خمسة عشر عاما مع وجود عدد غير قليل من النساء معه صلى الله عليه وآله ، ولكنه قد رُزق حب خديجة. كما قال صلى الله عليه وآله . خديجة الطاهرة: الالتزام في المجتمع الطيب شيء ليس بالعسير، والفضيلة في محيط طاهر أمر قد يستطيعه الكثير، لكن الالتزام الديني في مجتمع الانحراف، والتمسك بالطهر في مجتمع الجاهلية أمر صعب، وفاعل ذلك ينبغي تقديره باعتبار أنه يسير نحو القمة مع أن الموج يخالف اتجاهه، ويقاوم مسيرته الصاعدة. وخديجة بنت خويلد سلام الله عليها كانت من هذا النوع، فالمجتمع الذي عاشت فيه كان محيطا موبوءا بالمعصية والانحراف، وكان أمر البغاء والزنا شيئاً لا يتورع عنه كبار القوم في قريش فما ظنك بصغارهم، وكانت ذوات الرايات جزءا من النسيج الاجتماعي المألوف، لكن المعدن الطيب لهذه المرأة الصالحة ورجحان عقلها >إذ إنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من

--> 58 ) سورة الحديد آية 10. 59 ) ورد في الروايات أن الله قد لقبها بالمباركة وأي بركة أعظم من كون نسل الرسول ( لم يستمر الا منها، فهي أم الكوثر.