فوزي آل سيف

47

نساء حول أهل البيت

النساء إلا أربع أولاهن خديجة كما هو مفاد حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله < جعلها تسلك طريق الكمال والفضيلة والطهر حتى لقد لقبت في أيام الجاهلية، وقبل مجيء الإسلام بالطاهرة. وفي هذا الطريق الطيب نراها عليها السلام تبحث عن طاهر تعيش معه، وكان قد ملأ إهابها إعجابا ما تسمعه عن محمد بن عبد الله، هذا الشاب المتميز في المجتمع المكي، والذي لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد، في كمال خلقه وفي مفارقته للجو العام الجاهلي السائد في المجتمع المكي، وبدأت تفكر في كيفية مناسبة للتقرب منه، وهذا ما يشير إلى كمال عقلها فإنها لو استسلمت للجو العام لما عدت أصحاب المال المعدمين أخلاقا، وأصحاب الجاه الاجتماعي ورؤساء القبائل، ولكنها نظرت بعيدا، وكذلك أيضا لم تترك العادات والمألوف هي التي تقرر مصير مستقبلها، فإنا نلاحظ أن قسماً من الناس يفكرون بنحو جيد، ولكن تقيدهم العادات، وتحاصرهم التقاليد، فتسوقهم إلى اتخاذ قرارات على غير قناعاتهم، مثل أن المرأة ينبغي في موضوع الزواج أن تكون منفعلة، ومنتظرة فإن جاء رزقها كما تحب وإلا فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً إلا أن هذه المرأة النموذجية بدأت تفكر في كيفية مناسبة للقرب من محمد، لا سيما وهي تسمع كلاما هنا وهناك أن رسولاً سيبعث في أم القرى، وإذا قُدر ذلك في زمانها فمن سيكون أولى بهذه المنزلة من محمد؟ في الطرف الآخر كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، قد بلغ من السن ما يقتضي منه الاستقلال والاعتماد على نفسه بل مساعدة عمه وكافله أبي طالب، وكان أن التقت الرغبتان فخرج محمد في أموال خديجة مضاربا بها إلى الشام. وعاد محمد من سفرته التجارية.. عاد وقد ملأ نفس ميسرة غلام خديجة إعجابا، وأترع قلبه حبا، ورأى معه من العجائب ما ينبغي أن يكون حديث المتكلمين والسُّمار.. فالملكان اللذان يظلانه عن الشمس وصفقة يمينه التي تباري السحاب في بركتها، وأمانته في المعاملة وصدقه فيها، يبطل كل ما قالوه من أن السوق تحتاج إلى أسلوب خاص يعتمد على (الشطارة) والكثير من الكذب، وخداع المشتري واستغفاله، وأن الذي يريد أن يأتي إلى التجارة بمنطق المتقين، وطريقة الأخلاقيين فلن يحصد غير الخيبة.. ها هو محمد.. صدقه في حديثه لا يفارقه، وأمانته في المعاملة لا تخلو منه لحظة، ومع ذلك فقد ربح وربح، ما لو حصل غيره عليه لطار فرحا، وهام على الثريا اختيالاً.. لله دره أي سر فيه هذا الرجل؟ برقت عيناها بسرور الغبطة، وهي تسمع حديث ميسرة ورأت أنها لم تذهب بعيداً، بل وافقت حسابات الحقل البيدر.. زادت له حبا، وبه تعلقا وبدأت تفكر كيف يواتيها سعد حظها في الاقتران به، وكان أن أسرت في ذلك لبعض نسائها، ثم أرسلت إلى محمد صلى الله عليه