فوزي آل سيف
473
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
علي بن محمد السمري توفي 329 هـ للمجتمعات درجات نضج في تعاملها مع قيادتها.. فهناك درجة ابتدائية لا تعبر عن نضج كاف، وهي حين تطلب الأمة من القيادة، خوارق العادات، وما لا يستطاع حتى تؤمن بها وتتبعها، وإن لم تستجب لذلك فلن ـ تتبعها، (..وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً }. فهي لا تكتفي بوجود القائد، ودعوته لما يصلح أمرها، بل لا بد له من المعاجز، والقضايا الغيبية. وهناك درجة أخرى أرقى، وهي حين تكون مسيرة الأمة مرتبطة بوجود القائد (النبي أو الإمام) ومتوقفة على التعامل معه بشكل مباشر، فلو ذهب فإن الأمة تتراجع، وتنحرف عن المسيرة {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}. بل إن هذه المجتمعات قد لا تستجيب لنائب الرسول والإمام ووكيله مادام القائد نفسه موجودا، إذ تكون قد تعودت على التعامل مع شخص القائد. والدرجة الأرقى والعليا في التنظيم الاجتماعي، والنموذج في العلاقة بين القيادة والأمة. أن تتعامل الأمة مع القائد حين وجوده فتطيعه وتلتزم بأوامره، وحين غيبته تتعامل مع برنامجه وأفكاره من خلال نوابه ووكلائه، والأمة حين تصل إلى هذا المستوى تأمن الهزات الناتجة عن غياب القائد. وقد وصلت القاعدة الشيعية في زمن الإمام الحسن العسكري، وابنه الإمام الحجة، إلى المستوى الأفضل في هذا الجانب، فقد نشطت حركة الوكلاء في إدارة مناطق أتباع الأئمة([299]). ولعل هذا هو السبب الرئيسي في حفظ كيان التشيع بالرغم من سنوات القمع وأحكام الجور على امتداد أحد عشر قرنا من الزمان. وقد رسم الإمام الحسن العسكري بتوجيهه (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) منهجا لشيعة أهل البيت يسيرون عليه، كما قام بتنفيذه عبر نصب الوكلاء والإرجاع إليهم. ولهذا فلم تسبب غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) الصغرى ارتباكا خطيرا في صفوف شيعته، بل أدار عملية التوجيه أربعة من سفرائه ونوابه خلال فترة امتدت سبعين عاما.. وكان آخرهم علي بن محمد السمري. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم يجد شيعة أهل البيت من بركات هذا التوجيه، ما لا سبيل إلى حصره.. فقد لا نجانب الحقيقة لو قلنا أن النظام الديني والاجتماعي الذي يحكم علاقة القاعدة المؤمنة والملتزمة في الشيعة، بقيادتها من العلماء والفقهاء هو أقوى الأنظمة الموجودة في عالمنا الإسلامي. ولعل العديد من النهضات والحركات الإصلاحية التي وفقت إلى تحقيق أهدافها في عالم التشيع، بينما فشلت نظيراتها في تحقيق ذلك، إنما يعود سبب نجاحها إلى هذا العامل. وربما وجدنا أيضا لهذا السبب كانت الحرب مسعرة ضد العلماء والفقهاء، وفي سبيل ضرب هذه العلاقة، ولكن لما كان التوجيه من قبل الأئمة قد أكسب القضية جانبا دينيا، كان من العسير أن ينفصل الأتباع المؤمنون عن قيادتهم وعلمائهم. وكان الإمام العسكري قد مهد الأرضية لهذه الحالة، عن طريق الاحتجاب عن شيعته، وإرجاع الشيعة إلى وكلائه، وكانت ظروف المراقبة والقمع العباسي، تفرض التأكيد على هذا الأسلوب أيضا، ولذلك ما أن غاب الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي عجل الله فرجه، إلا وقد كان الشيعة قد تعودت على التعامل مع الوكلاء، إذ أن قولهم هو قول الإمام، وما أداه إليهم
--> 299 )يراجع نظام الإدارة الدينية/ للمؤلف.