فوزي آل سيف
456
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
فإن قال: أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها؟ قيل لهم: منها ما نعرفه، ومنها ما لا نعرفه. فإن قال: فما أول الفرائض؟ قيل: الإقرار بالله عز وجل (وبرسوله وحجته) وبما جاء من عند الله عز وجل. فإن قال: لهـم أمر الله الخلق بالإقرار بالله وبرسله وحججه وبما جاء من عند الله عز وجل؟ قيل: لعلل كثيرة: منها أن من لم يقر بالله عز وجل لم يجتنب معاصيه ولم ينته عن ارتكاب الكبائر، ولم يراقب أحدا فيما يشتهي ويستلذ من الفساد والظلم؛ فإذا فعل الناس هذه الأشياء وارتكب كل إنسان ما يشتهي ويهواه من غير مراقبة لأحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين، ووثوب بعضهم على بعض، فغصبوا الفروج والأموال وأباحوا الدماء والنساء وقتل بعضهم بعضا من غير حق ولا جرم، فيكون في ذلك خراب الدنيا، وهلاك الخلق، وفساد الحرث والنسل. ومنها أن الله عز وجل حكيم، ولا يكون الحكيم ولا يوصف بالحكمة إلا الذي يحظر الفساد، ويأمر بالصلاح، ويزجر عن الظلم، وينهى عن الفواحش، ولا يكون حظر الفساد والأمر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلا بعد الإقرار بالله عز وجل ومعرفة الأمر والناهي، فلو ترك الناس بغير إقرار بالله ولا معرفته لم يثبت أمر بصلاح، ولا نهي عن فساد إذ لا آمر ولا ناهي. ومنها أنا وجدنا الخلق قد يفسدون بأمور باطنة، مستورة عن الخلق، فلولا الإقرار بالله عز وجل وخشيته بالغيب لم يكن احد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحدا في ترك معصية، وانتهاك حرمة، وارتكاب كبيرة، إذا كان فعله ذلك مستورا عن الخلق، غير مراقب لأحد، وكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين، فلم يكن قوام الخلق وصلاحهم إلا بالإقرار منهم بعليم خبير، يعلم السر وأخفى، آمر بالصلاح، ناه عن الفساد، لا تخفى عليه خافية، ليكون في ذلك انزجار لهم عما يخلون به من أنواع الفساد. فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة؟ قيل: لأنه لما لم يكن في خلقهم وقولهم وقواهم ما يكملون لمصالحهم، وكان الصانع متعاليا عن أن يرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا لم يكن بد من رسول بينه وبينهم، معصوم يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويقفهم على ما يكون به إحراز منافعهم ودفع مضارهم، إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم ومضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة ولا سد حاجة، ولكان يكون إتيانه عبثا لغير منفعة ولا صلاح، وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء. فإن قال: فلم جعل أُولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة: منها أن الخلق لما وقعوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحد (تلك الحدود) لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام. ومنها أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس لما لا بد لهم منه في أمر الدين والدنيا؛ فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم. ومنها أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملة، وذهب الدين، وغيّرت السنة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين، غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول لفسدوا، على نحو ما بينا، وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين. فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟ قيل: لعلل: منها أن الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والاثنين لا يتفق فعلهما وتدبيرهما، وذلك أنا لم نجد اثنين إلا مختلفي الهمّ والإرادة، فإذا كانا اثنين ثم اختلف همّهما وإرادتهما وتدبيرهما وكانا كلاهما مفترضي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه، فكان يكون