فوزي آل سيف

448

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

يجلس أبو هاشم إلى جانب الإمام العسكري فيقول له ـ بمنطق المتوكل على الله، المتصل به -: ـ يا أبا هاشم إن هذا الطاغية أراد قتلي في هذه الليلة وقد بتر الله عمره.. ولم يكن أبو هاشم بحاجة للانتظار إلى اليوم الثاني ليتأكد من دقة ما ذكره الإمام، فقد شهد منه الكثير، الكثير مما يدلّ على اتصاله بعالم الغيب.. لقد شهد أن بعض شيعة الإمام كتب إليه (بلغنا أنه ـ المهتدي ـ يتهدد شيعتك، ويقول: والله لأجلينهم عن جديد الأرض). فوقع ( له: إن ذلك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام، فإنه يقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف وذل يلحقه.. وبينما بقي نور الله يضيء للسالكين درب عبادته، هلك الطاغية الذي ظن أنه يستطيع أن يغير سنن الله، والتاريخ، فقد نقم الأتراك على (المهتدي) وهجموا عليه بالخناجر، فجرحه أحدهم بخنجر في أوداجه، وانكب عليه فالتقم الجرح والدم يفور منه وأقبل يمص الدم حتى روي منه والتركي سكران، فلما روي من دم المهتدي قام قائما وقد مات المهتدي فقال: يا أصحابنا قد رويت من دم المهتدي كما رويت في هذا اليوم من الخمر!! [273]. لقد تتلمذ أبو هاشم على يد ثلاثة أئمة وتشرف بصحبتهم، الإمام الجواد وابنه الإمام علي الهادي وابنه الحسن العسكري.. وكان في كل يوم يفتح عينه على باب من العلم مغلق، بهداية الإمام له.. لقد وجهه إلى استكناه غوامض نفسه، ومعرفة نعم الله عليه ثم إلى معرفة الواقع الذي يعيش فيه، وإلى المسؤولية الملقاة على عاتقه، لذلك لا غرابة أن نجد أبا هاشم من بين الرواة المكثرين عن الإمامين. إنه يدخل على الإمام الهادي وقد ألمّت به ضائقة عكرت صفو حياته فيبادره الإمام القول: يا أبا هاشم أي نعم الله عز وجل عليك تريد أن تؤدي شكرها؟!. فوجم أبو هاشم ولم يدر ما يقول.. فابتدر الإمام قائلا: ـ رزقك الإيمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل.. وكانت هذه الكلمات خير وصفة علاج واجهه بها مشكلات الحياة بدواء القناعة. وإذا كان البعد عن سنة الرسول قد تكرس في رأس النظام السياسي الحاكم لأمور المسلمين، فأصبح موقع القيادة الإلهية ألعوبة بيد الغلمان والخصيان يعزلون وينصبون، فقد سرى في كل مناحي الحياة حتى العبادية منها، وبالرغم من أن البدع أصبحت هي القاعدة إلا أن ذلك لا يخرجها عن كونها بدعا. فقد بدأ الحاكمون منذ أيام معاوية بإنشاء مقاصير في المساجد يصلون فيها، وذلك خوفا من اغتيال الناس لهم، وجرت هذه البدعة في مسيرة خط الخلافة حتى العهد العباسي المتأخر.. يقول أبو هاشم: كنت عند أبي محمد (الحسن العسكري)، فقال: إذا قام القائم هدم المقاصير التي في المساجد، فقلت في نفسي: لأي معنى هذا؟!. فأقبل علي وقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة. إن أبا هاشم الذي أصبح باب الإمام العسكري ووكيله، وعن طريقه تصل أسئلة الكثير من أتباع الإمام، وإليهم يحمل أجوبتها، ليشهد كل يوم علما جديدا، ووعيا بأحكام دينه، ويرى كيف اختصّ الله أهل بيت نبيه، بعلم لم ينله غيرهم، ليس فقط لأن جدهم رسول الله بل ـ وأيضا ـ لطبيعة الدور الذي كلفوا بالقيام به في الأمة. فقد سأل أحدهم الإمام العسكري:-

--> 273  / مروج الذهب 4/ 186