فوزي آل سيف

424

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

زكريا بن آدم الأشعري القمي قلت للرضا ( شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممّن آخذ معالم ديني؟! - فقال ( : من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا. انتهت انتفاضة عبد الرحمن بن الأشعث إلى الانكسار بعد تغلب جيش الحجاج عليهم بدير الجماجم وتفرق جمع القراء والفقهاء الذين شاركوا فيها، واستقصى الحجاج أسماء من شارك فيها وقد حلف ألا يؤتى بأسير إلاّ ضرب عنقه، فقد أتى بأعشى همدان فقتل، بينما أولئك الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر! خلّى سبيلهم، فقد جيء له باثنين من (ثقيف)، فتقدم أحدهما فقال له الحجاج: أكفرت؟! قال: نعم. فقال له: لكن هذا الذي خلفك لم يكفر، وخلفه رجل من (سكون) فقال السكوني: أعن نفسي تخادعني؟. بلى والله ولو كان شيء أشد من الكفر لبؤت به!!.([254]) بينما لجأ غيرهم من المشاركين في الثورة إلى مناطق أخرى فرارا من الاعتراف على أنفسهم بالكفر، ونجاة بدينهم، علما بأن الاعتراف بالكفر لم يكن ينجي كل من يعترف، إذ أن ذلك يخضع لمزاج الحجاج، وتقديره لموقف الإنسان عموماً، ومدى ولائه للسلطة. وكان بين من لجأ إلى بلدة (قم) عبد الله بن سعد الأشعري جد زكريا، وكان أصله من قبيلة (الأشعر) المعروفة باليمن، لجأ عبد الله ومعه أخوته الأربعة، واختاروا البقاء في هذه المدينة البعيدة عن متناول السلطة المركزية سواء في الشام أو العراق. وكان عبد الله الأشعري قد ولد في الكوفة وتربى فيها، وتعلم معالم العقيدة في حلقاتها، في وقت كانت الكوفة تضج بالحركة العلمية والثقافية التي نقلها إليها تلاميذ الإمام الصادق(، وكانت حاضرة التشيع- آنئذ- دون منازع، إضافة إلى كونها منطقة المعارضة الأولى للحكم الأموي.. تربى عبد الله في الكوفة واستوعب مفاهيم التشيع وثقافة أهل البيت حتى أصبح المبرز في عائلته في هذا الجانب.. مع مجيء عبد الله الأشعري وإخوانه إلى بلدة قم واستقرارهم فيها ثم التحاق سائر أقاربهم وأصحابهم بهم، وكذلك لجوء عدد كبير من شيعة أهل البيت إلى هذه البلدة هرباً من مضايقة السلطات الحاكمة.. أصبح هؤلاء هم الحاكمون لها، والمسيطرون عليها، وبما يملكون من معرفة دينية، متميزة، هم أهل التوجيه الفكري، وهكذا صنعوا في قم حركة فكرية سليمة تنبثق من تعاليم أهل البيت ومعارفهم، وكانت من مميزات هذه الحركة الفكرية أصالة مفرداتها، وبعدها عن الغلو والإغراق، بحيث كان الأشعريون يخرجون من قم أصحاب العقائد المنحرفة وذوي الغلو. وبمرور الزمان تحولت تلك البليدة الصغيرة البعيدة عن العمران المادي والمعنوي، منطقة مهمة في جغرافيا حركة التشيع، وإذا كان حرم رسول الله المدينة، وحرم أمير المؤمنين النجف فإن حرم أهل البيت قم([255])، بهذا الشكل الذي برزت فيه. وبهذا جسّد عبد الله الأشعري وإخوانه بعملهم الآية القرآنية الكريمة: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}. لقد عرفت قم بأنها المدينة الخالصة من التشيع لأهل البيت حينها. وفي هذا الجو ولد زكريا بن آدم بن عبد الله الأشعري، ليصبح هو بدوره واحداً من أهم

--> 254 )مروج الذهب 3/ 164. 255 )سفينة البحار/ 2.