فوزي آل سيف

419

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا لما بديت من الصفوف وكبروا!! فإنه يصدق ذلك مع أنه يذكر بطلعته المسطولين والمخمورين!!. هذا إضافة إلى أنهم تعودوا أن يسمعوا من حواشيهم والوافدين عليهم كلاماً يوافق هواهم، فلا يتوقعون أن يوجد كلام غيره!!. ولم يكن ابن السكيت غافلاً عن هذه الأمور، كيف؟! وهو ابن الخامسة والخمسين الذي جرب الحياة وعرف أخلاق أهلها، إلا أنه هنا وقف بـ (كلمة حق عند إمام جائر..) وقال : - إن قنبر خادم أمير المؤمنين ( خير منهما ومن أبيهما. لم تكن هذه الكلمة عثرة لسان أودت بحياته، وهو القائل: يموت الفتى من عثرة لسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل فعثرته في القول تذهب رأسه وعثرته في الرجل تبرأ عن مهل لقد كان يفكر في (موقف) ينتخبه بإرادته، وينتصر فيه لدينه وعقيدته، كان يعرف كثيراً من أحاديث (السلامة) والنجاة بالنفس، وكغيره فإن نفسه تنازعه على البقاء فماذا يضرّه أن يقول إن ابني المتوكل أفضل من الحسنين وأبيهما وجدهما؟! خصوصاً إذا كان الثمن تخليص نفسه؟!. لكنه تلميذ مدرسة الأئمة (، ووارث تضحيات الثائرين لم يشأ لنفسه أن يسمع (لغو) الباطل، وأن يمضيه، عوض إسماع صوت الحق والعلم، فيخالف ذلك ما أخذ الله على العلماء، من ميثاق العلم (لتبيننَّه للناس ولا تكتمونه). لقد حسب كل حساباته، ووضع الاحتمالات أمام عينيه وأولها الموت.. وأطلق قذيفته تلك.. ما إن سمع المتوكل العباسي جوابه حتى اسودت الدنيا في عينيه وصاح بغلمانه من الأتراك ليدوسوا في بطنه حتى قتلوه. وبذلك ختم يعقوب بن إسحاق ابن السكيت خمساً وخمسين عاماً مترعة بالعلم والمعرفة ختمها بالشهادة بعد أن خاض (أفضل الجهاد). لم يكن فقط هذا الموقف باعث تخليده وإن كان بذلك جديراً فما أفضل أن ينهي المرء عمره بموقف شجاع، فإضافة إلى ذلك كان في حياته " وجهاً في علم العربية واللغة، ثقة مصدقاً لا يطعن عليه). وقال أبو الطيب في مراتب النحويين: " انتهى علم الكوفيين إلى أبي يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب وكانا ثقتين أمينين ويعقوب أسبق وأقدم وأحسن الرجلين تأليفاً وثعلب أعلمهما بالنحو". وقال أبو العباس ثعلب: " أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت) [252]. وإذا كانت آثار المرء هي حياته الممتدة وذكره هو الباقي، بعد انقضاء مدته، فإننا نجد أن ابن السكيت قد امتدّ بحياته في بعدي الجهاد والعلم بينما أصبح المتوكل قاتله لعنة، فإذا بملوية سامراء إن حكت فإنما تفصح عن حكاية الظلم، وإذا بقيت أطلال قصر (الجعفري) وقد أنفق على بنائه مليوني دينار أو (البرج) وقد تكلف مليون وسبعمائة ألف دينار أو (الملج) وقد صرف عليه خمسة ملايين درهم و (الشبندار) و (المختار) و (الغرو) و (بركوار) [253] وغيرها، فإنما لكي تبقى

--> 252 / ) تأسيس الشيعة/ 156. 253 / حياة الإمام الهادي للقرشي/ 314