فوزي آل سيف

409

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

ولم يستطع هارون منازلة يحيى، ذلك أنه تحصن بتأييد أهالي مناطق الديلم وأطرافها، والتي كانت ممتنعة طبيعياً بسبب بعدها عن مركز الحكم. ومع أن هارون ولّى الفضل بن يحيى البرمكي بلاد الديلم وسيّره في خمسين ألف جندي، إلاّ أن ذلك لم يكن بنافع، لهذا توسل الفضل لإنجاز المهمة المناطة به، بالوسائل السلمية. من جهته.. كان يحيى يشهد في جبهته الداخلية تصدعاً قاده الحسن بن صالح الذي حاول لتحقيق مطامحه في الزعامة، أن يستفيد من الفرصة، مما أدى إلى إضعاف الوضع العام في جبهة يحيى.. اختار يحيى- إبقاء على أصحابه، وتبعا للوضع الجديد الذي ساد في تجمعه- الاستجابة إلى دعوة الفضل بإلقاء السلاح وكتب لنفسه ولأتباعه أماناً مؤكداً، وثيقاً، وشرط في ذلك شروطاً كثيرة. وهكذا عاد يحيى إلى بغداد محمياً بالأمان الذي شهد عليه كبار العلماء والفقهاء، هو وأصحابه، إلاّ أن هارون الذي لم يكن يحجزه ورع لم يكن ليقف أمامه ورقة مكتوبة!! فما لبث أن وضعه في المنزل تحت المراقبة، وكان يناظره أحياناً كثيرة ليقف من خلال ذلك على زلة لسان منه تبرر له القضاء عليه، إلاّ أن يحيى كان يفوت تلك الفرصة على هارون. بل كان يحاول أن يصطنع الشهادات ضده من أنه يدعو إلى الثورة على العباسيين، ولم يكن يحيى يعدم الأعداء كما لم يكن هارون يعدم المرتزقة الذين يشهدون بالزور من أجل التقرب من الخليفة.. فقد رفع عبد الله بن مصعب الزبيري إلى هارون أن يحيى قد دعاه إلى بيعته، بعد إعطائه الأمان.. وقال له : نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته. قال له يحيى : يا أمير المؤمنين. اتصدق هذا وتستنصحه؟ وهو ابن عبد الله ابن الزبير الذي ادخل اباك وولده الشعب وأضرم عليهم النار حتى تخلصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن ابي طالب منه عنوة. وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي - صلى الله عليه وآله - في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال : إن له أهل بيت سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم واشر أبوا لذكره وفرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذكره. وهو الذي فعل بعبد الله بن العباس مالا خفاء به عليك حتى لقد ذبحت يوما عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال ابنه علي بن عبد الله : يا أبه أما ترى كبد هذه البقرة؟ فقال : يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه : يا بني، الحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة. فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير. ووَالله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعا بمنزلة سواء، ولكنه قوي علي بك وضعفت عنك، فتقرب بي إليك، ليظفر منك بما يريد، إذ لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوغه ذلك في، فان معاوية بن أبي سفيان، وهو أبعد نسبا منك إلينا، ذكر يوما الحسن بن علي فسفهه فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره معاوية وانتهره فقال : إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال : إن الحسن لحمي آكله. ولا أوكله. فقال عبد الله بن مصعب : إن عبد الله بن الزبير طلب أمرا فأدركه. وإن الحسن باع الخلافة من معاوية بالدراهم، أتقول هذا في عبد الله بن الزبير، وهو ابن صفية بنت عبد المطلب؟ فقال يحيى : يا أمير المؤمنين، ما أنصفنا أن يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، فهلا فخر بهذا على قومه من النوبيات والأساميات والحمديات! فقال عبد الله بن مصعب : ما تدعون بغيكم علينا وتوثبكم في سلطاننا؟ فرفع يحيى رأسه إليه، ولم يكن يكلمه قبل ذلك، وإنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبد الله. فقال له : أتوثبنا في سلطانكم؟ ومن أنتم - أصلحك الله - عرّفني فلست أعرفكم؟ فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك ثم غلب عليه الضحك ساعة، وخجل ابن مصعب. ثم التفت يحيى فقال : يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك والقائل له :