فوزي آل سيف

410

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

إن الحمامة يوم الشعب من دثن هاجت فؤاد محب دائم الحزن إنا لنأمل أن ترتد ألفـــتنا بعد التدابر والبغضاء والإحن حتى يثاب على الإحسان محسننا ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن وتنقضي دولة أحكــام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن فطالما قد بروا بالجور أعظمنـا برى الصناع قداح النبع بالسفن قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنـا إن الخلافة فيكم يا بني حسن لا عز ركنا نزار عند سطوتهـا إن أسلمتك ولا ركنا ذوي يمن ألست أكرمهم عودا إذا انتسبوا يوما وأطهرهم ثوبا من الدرن وأعظم الناس عند الناس منزلة وأبعد الناس من عيب ومن وهن فتغير وجه الرشيد عند استماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له وانه لسديف. فقال يحيى : والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذبا ولا صادقا بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجده العبد في يمينه بقوله : الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، استحيا أن يعاقبه، فدعني أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلا عوجل. قال : حلّفه. قال : قل : برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله، استكبارا على الله، واستغناء عنه واستعلاء عليه إن كنت قلت هذا الشعر. فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع : يا عباسي ماله لا يحلف إن كان صادقا؟ هذا طيلساني علي، وهذه ثيابي لو حلفني أنها لي لحلفت. فرفس الفضل بن الربيع عبد الله ابن مصعب برجله وصاح به : احلف ويحك - وكان له فيه هوى - فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال : يا بن مصعب قطعت والله عمرك، والله لا تفلح بعدها. فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث. فحضر الفضل بن الربيع جنازته، ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده وجعل اللبن فوقه، انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس، فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل : التراب التراب فجعل يطرح التراب وهو يهوى، ودعا بأحمال الشوك فطرحها فهوت، فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسرا.[243] وإذا كان لكل شيء آفة، فإن آفة الإيمان الفقهاء المرتزقة، ألم يكن أعداء الأنبياء والأولياء أمثال بلعم بن باعوراء، الذين {اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ}؟! ألم يقتل أمير المؤمنين ( في محراب صلاته بسيف ابن ملجم المغموس في فتوى فقهاء الخوارج؟ وألم يقتل حجر بن عدي و (ستة نفر يغضب الله لهم وأهل السماء) في مرج عذراء، بفتوى أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري؟! وهل حز رأس الحسين غير فتوى شريح؟!. وهكذا لو تتبعت هذه القائمة المهينة لألفيتها مليئة بعباد الدنيا، وأسراء الشهوة وخدم السلطان. وكان لهارون الكثير الكثير.. من هؤلاء، ذلك أنك بينما ترى جواهر الرجال نادرة، تجد من الأشواك والحصى وغثاء السيل الكثير.. وهكذا جمع هارون (الفقهاء) في بلاطه وفيهم محمد بن الحسن، صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو البختري وهب بن وهب، وخرج عليهم مسرور الخادم بكتاب الأمان، وكان هارون قد اتخذ قراره بإعدام يحيى ولكنه كان يفتش عن (لحية خرقاء) يمسح بها دمه أمام الناس. فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه وقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه!! فصاح مسرور به: هاته!!

--> 243 / مقاتل الطالبيين 317