فوزي آل سيف
402
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
صفوان بن يحيى البجلي توفي سنة (215) هـ نمط فريد من الرجال صاغه منهج أهل البيت حسب القياسات المثالية نسمع عنه ونقرأ عن صفاته فنجده غريباً كل الغرابة عن الواقع الذي نعيش فيه، ولعل هذا هو سر تميزه، فإذا كنا نخضع للواقع الذي نعيشه، وكأنه قدر مفروض، ونرى القياسات التي يفرضها هذا الواقع على أنها النماذج الممكنة، يأتي نموذج صفوان متمرداً على مقاييس الواقع، ومتعالياً عليها، لكي يبين لمن يعيش في زمنه ولمن يأتي بعده أن ضغوط الواقع وحالاته ليست حتميات أقدار ولا " مكتوبة على الجبين " لمن أراد أن يتكامل. ((( ففي دنيا العبادة اليوم يعتبر من يؤدي الواجبات في أوقاتها، صلاته وصومه وزكاته وخمسه، يعتبر من الصالحين، وأي صلاح أعظم من ذلك!! أما من يلتزم إضافة إلى الفرائض والواجبات بالنوافل والمستحبات، بالرغم من قلة عدد هؤلاء، فهو يعتبر من الأبرار الذين قهروا أنفسهم، واستجابوا لنداء طاعة ربهم، ذلك أن من يتقرب إلى الله بالنوافل يستمد من قدرة الله اقتداراً، ومن نوره استضاءة فإذا هو وليه الذي يسأله فيعطيه ويدعوه فيجيبه. نموذجنا صفوان بن يحيى البجلي، كان شريكاً في التجارة مع عبد الله بن جندب وعلي بن النعمان، وكانت تجارتهم في بيع الأقمشة " السابري " أي لم يكونوا عالة كالمتصوفة ولا فارغين كأصحاب الصوامع، بل كانوا رجال " دنيا " حسب الاصطلاح.. هؤلاء الرجال وكانوا وكلاء للإمام الرضا (، وللوكلاء مسؤوليات كثيرة [235] ولكنهم كانوا نماذج في العبادة أيضا. فقد تعاقدوا في بيت الله الحرام على الأخوة، وأن أحدهم إذا مات يؤدي من بقي بعده صلاته ويصوم عنه ويحج عنه ويزكي عنه مادام حيّاً فمات عبد الله بن جندب ثم ابن النعمان، وبقي صفوان بعدهما، فكان يفي لهما بذلك فيصلي في اليوم مائة وثلاث وخمسين ركعة (فرائض الثلاثة ونوافلها) ويصوم ثلائة أشهر في السنة ويحج عنهما، بل أنه كان يعطي في الصدقة المستحبة ثلاثة أمثال ما لو كان وحده!! هذا وهو تاجر، ووكيل يتحمل مسؤوليات الإدارة للأتباع والمنتمين. ألم أقل لك- عزيزي القارىء- أنه نمط فريد؟!. وحين يقتتل الناس على الرئاسة، فتسفك الدماء، وتسود صفحات التاريخ بالجرائم، لأجل أن يحكم فلان، فيغطي عقدة النقص الموجودة في شخصيته بالاستكبار والتجبر وظلم الضعفاء.. وترى أحداث التاريخ تلخصها المؤامرة، والدسيسة والاغتيال، ويقول ذلك الحاكم لابنه عندما يسأله ببراءة- سيفقدها حين يحكم- أنه إذا كان يعتقد أن الحكم لغيره فلماذا لا يعيده إليه، يقول له: الملك عقيم ولو نازعتني لأخذت الذي فيه عيناك. وحين يبيع البعض دينهم لأجل لحظة رئاسة وزهو، ولو كانت رئاسة قرية.. يصبح غريبا ذلك النموذج الذي ليس فقط لا يصبح رئيساً، بل لا يحب الرئاسة.. وهذا النموذج هو صفوان. فقد استعرض قوم عند الإمام الرضا ( سعي بعض الأصحاب انطلاقا من حب الظهور
--> 235 / للتفصيل يراجع كتاب نظام الإدارة الدينية للمؤلف.