فوزي آل سيف

374

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

فقد روى التوزي قال: رأى الأصمعي([204]) جزءاً من شعر السيد، فقال لمن هذا؟! فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه فأقسم عليّ أن أخبره، فأخبرته فقال: أنشدني قصيدة منه، فأنشدته. ثم أخرى وهو يستزيدني ثم قال: قبحه الله! ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه ولولا ما في شعره لما قدمت عليه أحداً من طبقته!!([205]). ولكن.. هل كان السيد إسماعيل ينتظر التقديم من الأصمعي، ممن يأكل فتات موائد الظلمة ويمسح أعتابهم؟! لقد انتخب طريقه وهو يعلم إلى أين ينتهي وهو القائل: أيا رب إني لم أرد بالذي به مدحت علياً غير وجهك فارحمِ وينبغي أن يشار إلى أن السيد- وهو لقب أطلقه عليه الإمام الصادق  إذ قال له: أنت سيد الشعراء، وإلا فإن اسمه (إسماعيل)- لم يكن شاعراً مجيداً فحسب بل كان عالماً قوي الحجة وسريع البديهة. ويكفي أن الكميت بن زيد الأسدي وهو أول من نظم جدال الشيعة وحججهم في الإمامة بالشعر من خلال هاشمياته، يقول للسيد: أنت يا أبا هاشم أعلم منا وأفقه. فقد حج السيد الحميري أيام هشام بن عبد الملك فلقي الكميت، فسلّم عليه وقال له: أنت القائل: ولا أقول إذا لم يعطيا فدكاً بنت الرسول ولا ميراثه كفرا الله يعلم ماذا يأتيان به يوم القيامة من عذر إذا حضرا؟! قال الكميت: نعم قلته تقية من بني أمية وفي مضمون قولي شهادة عليهما بأنهما أخذا ما كان في يدها. فقال له السيد: لولا إقامة الحجة لوسعني السكوت، لقد ضعفت يا هذا عن الحق، يقول رسول الله : «فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، وإن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها». وإن رسول الله وهب لها فدكاً بأمر الله وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وأم أيمن بأن رسول الله  أقطع فاطمة فدكاً فلم يحكما لها بذلك والله يقول: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ويقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ }. وهم يجعلون مصير الخلافة إليهم: الصلاة وشهادة المرأة لأبيها: أن رسول الله  قال أمروا فلاناً بالصلاة بالناس، فصدقت المرأة لأبيها، ولا تصدق فاطمة وعلي والحسن والحسين وأم أيمن في مثل فدك؟! وتطالب مثل فاطمة بالبينة على ما أدعت لأبيها، وتقول أنت مثل هذا؟!.. إلى آخر حواره مع الكميت.. وأبو هارون المكفوف الشاعر يقول له: أنت الرأس ونحن الأذناب. فقد استطاع أن يجند العباسيين- بالرغم من أنه ضدهم- إلى صف الهاشميين ضد أعداء أهل البيت، ذلك أنه كان يمدح بني هاشم، فيعمهم بالمدح، وأحياناً يشير إلى العباس عم النبي وابنه عبد الله، مع أن أعداءه كانوا يتهمونه بالتشيع، وهي تهمة كانت تكفي أيام المنصور والرشيد لقتل المتهم. ولكنه لما كان عالماً من جهة وحسن الجدال وسريع البديهة من جهة أخرى فقد كان يتغلب على هذه العقبات. ولعل في قصته مع القاضي سوار ما يشير إلى علمه وحسن تصرفه، وكذلك مع عبد الله بن أباض زعيم الخوارج حيث انتهى به إلى السجن حتى مات. فقد كان قاضي البصرة سوّار بن عبد الله العنبري أباضياً خارجياً يعادي شيعة أهل البيت وبالطبع كان يعادي السيد الحميري لأجل ذلك، ولما رأى السيد ينشد عند المنصور، ويقرب أخذته الغيرة فقال للمنصور:

--> 204 )الأصمعي: معروف بعداوته لأهل البيت عموما ولأمير المؤمنين خصوصاً وقد حد أمير المؤمنين جده في السرقة. 205 )أعيان الشيعة 3/ 407.