فوزي آل سيف

368

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

جابر بن حيان الكوفي توفي بعد سنة 188 هـ مختفياً كان جابر ينتقل في البلدان لا يستقر به بلد خوفا من السلطان.. ابن النديم جابر.. أحد التجليات لعلم أهل البيت  المحيط الشامل، الذي يستمد كل ذلك من مصدر الوحي الإلهي.. لم يستوعب معاصروه ولا المتأخرون إمكانية أن يأتي رجل من المسلمين فيؤلف ثلاثة آلاف وتسعمائة كتاب!! في مختلف الفنون، خصوصاً أولئك الذين لا يروقهم أن يشار ببنان الإعجاب والتقدير إلى نابغة من نوابغ أهل البيت وأتباعهم، لذلك أنكر بعضهم وجوده!! وكأن الشمس تغطى بغربال!. الذين حاولوا تفسير هذه الظاهرة- الأعجوبة، عجزوا، إذ أن بالإمكان أن يكون فرد ما مؤسساً لعلم (كالكيمياء)، ولكن أن يقوم بكتابة هذا العدد الضخم من الكتب والرسائل في مختلف الفنون والعلوم، وفي كل جانب لا يقل إبداعه عن الآخر!! فكما يكتب في الطب بجدارة، يكتب في الفلسفة بتفوّق ويرد في خمسمائة كتاب على نظريات الفلاسفة، وهكذا يكتب في الأخلاق والوعظ كما يكتب في الكيمياء وخواص المواد. ولكن العجب يزول عندما ننفذ إلى واقع هذا التلميذ الأمين والواعي لعلم النبوة والإمامة ذلك العلم المحيط، والشامل، الذي لا حد له لأنه يتصل ببحر علم الله سبحانه وتعالى. ذلك أن العلم، والبشر مهما بلغ من الدقة، فإنه لا يكتشف إلا ظواهر الأشياء وعلاقاتها ولا بد من الرجوع آخر الأمر إلى ما يحكم به العيان العقلي لنهتدي به سواء السبيل، وهذا العيان العقلي لا يكون لك ولي من أفراد الناس بل يكون بادئ ذي بدء وحياً يوحى به إلى نبي ثم يتوارث وبغير هذا السند نظل نتخبط أين يكون الحق وأين يكون الباطل، فالشكوك لا تنجاب في رأي جابر «إلاّ بالعيان وإقامة البرهان، وإقامة البرهان لا تكون إلا بالعيان والعيان من أفعال الأنبياء»([197]). يقول جابر مفسراً تلك الظاهرة بأنه لم يقم بشيء سوى تأليف هذه الكتب وتجميعها، وأن هذا العلم إنما كان من الإمام الصادق  عن آبائه: «تأخذ من كتبي علم النبي وعلي وسيدي- أي الصادق- وما بينهم من الأولاد منقولاً نقلاً من كان وهو كائن وما يكون من بعد إلى أن تقوم الساعة». ويقول في موضع آخر: «فو الله ما لي في هذه الكتب إلا تأليفها والباقي علم النبي»([198]). تعجب الدكتور زكي محمود أن يستكثر بعض المسلمين على الأمة أن يكون لديها نابغة مثل جابر بن حيان، والحقيقة أن انتماء جابر الواضح لأهل البيت، وعدم إمكانية إنكار هذا الانتماء، كما حصل لغيره من النوابغ، إذ أنه يشير في كتبه إلى «سيدي جعفر بن محمد صلوات الله عليه». فلما لم يكن ذلك ممكناً، استكثر بعض هؤلاء أن يكون نوابغ الفكر، وعمالقة العلم- عادة- من أتباع أهل البيت. ولما كان إلغاء شخص بهذه الشهرة من التاريخ ضرباً من العبث واللغو، بعد أن غطت أخباره صفحات المؤلفين، ومعاجم الرجال، واحتلت نسخ كتبه مساحة واسعة في مكتبات العالم، بل أصبح يضرب بشهرته في تأسيس الكيمياء المثل، تنازل هؤلاء عن إلغاء الشخص لصالح إلغاء الشخصية، فقالوا إنه موجود ولكن هذه الكتب المعروفة باسمه، ليست له، وإنما لمؤلف غيره ولنقرأ ما كتبه ابن النديم في رده على هذا الكلام:

--> 197 ) / جابر بن حيان 82/ د. زكي نجيب محمود. 198 )المصدر ص 47 عن كتاب جابر (الخواص الكبير).