فوزي آل سيف
350
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
بأبي عبد الله قد أقبل على بغلة له، يقول هشام فلما أبصرت به وقرب مني هالني منظره وأرعبني حتى بقيت لا أجد شيئا أتفوه به ولا انطلق لساني لما أردت من مناطقته، ووقف أبو عبد الله علي مليّاً ينتظر ما أكلمه وكان وقوفه علي لا يزيدني إلاّ تهيباً وتحيراً، فلما رأى ذلك مني ضرب بغلته وسار حتى دخل بعض السكك، وتيقنت أن ما أصابني من هيبته لم يكن إلا من قبل الله ( ومن عظم موقعه ومكانه من الرب الجليل([187]). وهكذا دخل هذا الشاب إلى التجمع الرسالي الذي كان يقوده الإمام الصادق ليصل في فترة قصيرة إلى أعلى المراتب، ذلك أن هذا التجمع إنما تحكمه قيم الكفاءة والتقوى فمن كان كفوءاً يتقدم سواء كان صغير السن أو كبيره.. ليس هذا التجمع أسرة مالكة حتى يتقدم فيها الأمير وأبناؤه ولا قبيلة حتى يتقدم فيها الكبير سناً، إنما قيم التفاضل فيه الكفاءة.. لذلك استطاع هشام على حداثة سنه أن يتقدم من هو كبر منه سناً، وأقدم منه انتماء. فقد دخل على الإمام الصادق بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبو جعفر الأحول (مؤمن الطاق) وغيرهم فرفعه على جماعتهم وليس فيه إلاّ من هو([188]) كبر منه سناً، فلما رأى أبو عبد الله أن ذلك الفعل كبر على أصحابه وقال: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده». وكان الإمام الصادق كان يستشرف المستقبل حيث سيصبح هشام (الذي فتق الكلام في الإمامة وسهل طريق الحجاج، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب)، واستمر على ذلك حتى كانت منيته في اختفائه هرباً من
--> 187 ) رجال الكشي 2/ 529. 188 )تنقيح المقال 3/ 294.