فوزي آل سيف

25

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

وخشعت القلوب، وفاضت الأعين مما عرفوا من الحق. وقام النجاشي إعظاماً لهذا الكلام ثم التفت إلى جعفر والمسلمين معه: _ إن هذا والذي جاء به عيسى يصدر من مشكاة واحدة، وانطلقوا راشدين فو الله لا أسلمكم إليهما. وتعانق المسلمون وكان عيد نصر حقيقي صنعه جعفر، وأترعت نفس عمرو بحقدها، ولم يكن ليتنازل بهذه السرعة، وحاول مرة أخرى أن «يأتي النجاشي بما يستأصل خضراءهم» لكن يد الله كانت معهم، فعاد إلى قريش يعثر بأذيال خيبته، ولم يحصد غير فقدان صداقة النجاشي، وخسران هداياه للأساقفة. وخرج جعفر والمهاجرون من ذلك المجلس لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واستمروا في حياتهم ينتظرون خبر النبي (. ((( في تلك الأثناء كانت دعوة الإسلام تتقدم من فتح إلى آخر، ولكن أهم فتوحها كان هجرة الرسول ( إلى المدينة، تلك الهجرة التي فتحت تاريخاً جديداً في الجزيرة العربية، وأصبحت المدينة مركز النواة الأولى لدولة الإسلام الكبرى، منها ينتشر الوعي والمعرفة، وهكذا تحولت من (يثرب) المرض والجو الفاسد إلى (طيبة) ولم يكن هذا التحول في الاسم فقط، بل إن الروح التي نفخها الرسول في المسلمين حوّلت هذه المنطقة إلى نموذج. ولم يكن متوقعاً أن يسكت كفار قريش عن هذه التجربة، فقد كان وجودها تحدياً وجودياً صارخاً لوجود قريش، واستمرارها يعني هزيمة قريش في مقاومتها. لذلك كان همّ عتاتها القضاء على هذا الوجود.. فكانت (بدر الصغرى) و(الكبرى) شربت قريش كأس مرارة الهزيمة العسكرية حتى الثمالة على يد الحفاة المجردين عن السلاح، ورجعت راغمة بعد أن خلفت وراءها سبعين جثة من (عظامها) ومثلهم من الأسرى.. وكررت التجربة في (أُحد) ولم تسلم من مصير (بدر) إلاّ بشق الأنفس.