فوزي آل سيف
24
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك». أُخذ النجاشي وأساقفته، بل وعمرو بقدرة جعفر وبلاغته، فهو إضافة إلى سيطرته على الموقف حول ذلك المجلس إلى مكان دعوة وتبليغ لرسالة الإسلام، ولم يكن عمرو يتوقع هذه القدرة الفائقة التي سيطر بها جعفر على أحاسيس الملك، وكان يحب أن لا يستمع الملك، وكان يحب أن لا يستمع إلى كلامهم فضلاً عن الكلام الذي جاء بهم (محمد). وتأثر النجاشي أكثر عندما أخبره جعفر أن النبي ( أمرهم بالمجيء إلى الحبشة لأن ملكها عادل ولا يظلم عنده أحد. _ هل معك شيء مما جاء به نبيكم؟! سأل النجاشي. _ نعم. _ هلّم فاتل عليّ ما جاء به. وابتدأ جعفر يتلو في خشوع من سورة مريم. {كهيعص ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا...}. لقد كان كل شيء موظفاً لأداء التأثير المطلوب وهذا ما حدث. فالجو كان جو دفاع مظلومين عن أنفسهم ودينهم، وجعفر بقدرته الهاشمية في الخطابة، وأخيراً انتخابه لآيات من سورة مريم كانت تدق على الوتر الحساس لدى النجاشي وأساقفته المسيحيين، فلو أن جعفر قد اختار سورة أخرى ربما لم تؤثر في نفوسهم أثر سورة مريم.. وأهم من كل ذلك نفس الأثر الذي يخلفه القرآن في نفوس سامعيه، فلو كان جبلاً لرأيته خاشعاً متصدعاً..